إن كنت صدقت أن فرنسا قد حركت 40 ألف جندي لمحاصرة مدينة الجزائر لثلاث سنوات بسبب ضربة مروحة فاعلم أنك ضحية للغطرسة الإعلامية الفرنكفونية، والتي تسوق منذ ما يقرب من قرن ونصف من الزمان أن فرنسا تحرك جيوشها أينما تم مس شرفها.

“نعيد تركيب الأحداث وتشرح لك كيف تجرأت فرنسا على ولاية عثمانية وقوة بحرية متوسطية في ذلك الوقت بعيدًا عن الأساطير الاستعمارية.

ما هي حادثة المروحة؟

هي حادثة مشهورة في التاريخ وتتمثل في كون الوالي العثماني على الجزائر، حسين داي، صفع القنصل الفرنسي بيار دوفال بمروحته أثناء حوار متشنج في قصر حسين داي.

مباشرة بعد ورود الأنباء إلى باريس كتب ملك فرنسا آنذاك شارل العاشر إلى والي الجزائر مهددًا ومتوعدًا إن لم يحصل على اعتذار المسؤول العثماني، وهو ما رفضه حسين داي بشدة فأمر الملك شارل العاشر بتحريك 40 ألف جندي فرنسي باتجاه الجزائر

العاصمة لمحاصرتها (بين 1827 و1829) ثم احتلالها (سنة 1830)، وذلك انتقاما لـ “شرف فرنسا” .. أو كذلك أريد لنا أن نفهم.

الأسباب الحقيقة للغزو

أزمة ديون فرنسا للجزائر

أدت الثورة التي اندلعت سنة 1789 إلى عزل فرنسا عن الساحة الأوروبية، وذلك بسبب خوف الأنظمة الملكية القائمة آنذاك بأوربا من امتداد الشعارات المعادية لسلطتي النبلاء والدين لمختلف الممالك الأوروبية، وبذلك فقدت فرنسا عددًا من حلفائها العسكريين وشركائها التجاريين لا سيما النمسا، روسيا، الإمارات الجرمانية الكاثوليكية وغيرها.

لهذا ولكي تضمن تموينها بالسلع الأساسية حولت فرنسا نظرها نحو شركاء من خارج القارة العجوز. وحدث أن بدأ القائد العسكري نابليون بونابرت حملته الشهيرة على مصر سنة 1798، وحتى يضمن تموين جيشه الضخم التجأ الداهية الفرنسي لخدمة تاجرين يهوديين هما كوهن البكري ونفتالي بوجمة (المعروف باسم بوصناخ) اقترحا عليه استيراد القمح من ولاية الجزائر العثمانية، وهو ما تم حتى استمر تموين فرنسا بالقمح الجزائري من طرف التاجرين البكري وبوصناخ طيلة كافة فترة الحروب النابليونية (1803 1815) وعودة الملكية (ابتداء من سنة 1815)، وأمام الظروف الاقتصادية الصعبة في فرنسا نتيجة مخلفات حروب نابليون وعزلتها الأوروبية تراكمت على الفرنسيين ديون بقيمة 28 مليون فرنك ذهبي فرنسي، أي قرابة 262 مليون يورو حاليًا، وهو مبلغ خيالي في ميزانية دولة في القرن التاسع عشر.

وكان الوالي حسين داي أكثر ولاة الجزائر إلحاحًا وإصرارًا على استخلاص الدين الفرنسي، لذلك فقد كتب ثلاث رسائل لملك فرنسا شارل العاشر يطالبه فيها بتسوية المستحقات الجزائرية، وفي غياب رد من الملك استدعى الداي حسين القنصل الفرنسي بيير دوفال والذي قال لوالي الجزائر أن ملك فرنسا لا يمكن أن يجيب واليًا عثمانيًّا، وهو ما أغضب حسين باشا (المعروف تاريخيًّا بشجاعته وبحدة طبعه)، مما دفعه إلى صفع القنصل الفرنسي بمروحته.

هناك كثير من الروايات التاريخية التي تنكر الحادثة، منها من يتحدث عن طرد السفير من مجلس داي الجزائر بالمروحة، منها من يقول بقيام الوالي بحركة غاضبة بمروحته لم يلمس بها القنصل الفرنسي .. المهم هو أن حديث القنصل والوالي لم ينتهِ بشكل لائق، كما استغلت فرنسا الحادثة لتبرير تحرك عسكري ضد الإيالة العثمانية لا سيما اتجاه الدول الأوروبية المتوجسة من أي تحرك فرنسي عسكري منذ سقوط نابليون.

وتجدر الإشارة إلى أن الدين الفرنسي لم تتم تأديته إلى اليوم، الأصح أنه قد ارتفع بقوة نظير كل الخيرات والثروات التي سرقتها وصادرتها فرنسا خلال 130 سنة من التواجد على التراب الجزائري لا سيما المنتجات الفلاحية والمعادن.

الإجهاز على القوة البحرية للجزائر

شكل “الجهاد البحري” أحد أهم مصادر المداخيل للإمبراطورية العثمانية، لا سيما في الولايات الشمالية الإفريقية كالجزائر وتونس وطرابلس الغرب، لهذا فإن ولاية الجزائر كانت تتمتع بأحد أقوى الأساطيل البحرية في البحر المتوسط، والذي كان دائمًا مصدر قلق للملاحة التجارية الأوروبية، لا سيما الفرنسية والبريطانية على الخصوص.

لكن بداية القرن التاسع عشر لم تكن فاتحة خير للقوة البحرية العثمانية، فخلال حرب استقلال اليونان (المدعومة من طرف بريطانيا وفرنسا وروسيا) عن الخلافة، استنزف الأسطول العثماني، واضطر لطلب الدعم من الأسطول الجزائري القوي، وهو ما تم لقائد الأسطول العثماني الشهير إسماعيل باشا.

وخلال الحرب حدثت معركة بحرية ضخمة في خليج نافارين اليوناني بين الأسطولين العثماني (المدعم بالسفن الجزائرية) والتحالف الثلاثي المكون من بريطانيا وفرنسا وروسيا في أكتوبر لسنة 1827، هزم على إثره الجيش الإسلامي ودمرت معظم سفنه بالمعركة بما فيها السفن الجزائرية، وهو ما شكل فرصة ذهبية لفرنسا لم تتوانَ عن استغلالها إذ بدأ الحصار البحري للجزائر نهاية نفس الشهر، أي أكتوبر 1827.

وقد مكنت معركة نافارين ثم احتلال الجزائر فيما بعد من التخلص من إحدى أكبر القوى البحرية في غرب المتوسط.

تصدير أزمة الحكم بفرنسا

لم تشهد فرنسا استقرارًا سياسيًا واضحًا منذ الثورة الفرنسية لسنة 1789، فبعد وصول نابليون بونابرت إلى الحكم وتدشين فترة الحروب النابليونية، أعادت الدول المنتصرة الملكية إلى الحكم عبر الملك لويس الثامن عشر ثم شارل العاشر، أخوي الملك لويس السادس عشر الذي أسقطته الثورة.

وعرف عهد شارل العاشر عدة أزمات سياسية بين الملك والبرلمان تارة، وبين الملك وأمراء المنازل الأخرى المطالبة بالحكم، لذلك فقد كان التوتر مع ولاية الجزائر فرصة أراد الملك شارل العاشر استغلالها قصد خلق عدو خارجي يوحد من خلاله الطبقة السياسية تحت قيادته .. غير أن مسعاه باء بالفشل.

إذ أنه مباشرة بعد حادثة المروحة المؤرخة في أبريل سنة 1827، والتهديد الفرنسي للداي حسين المؤرخ في شهر جوان من نفس السنة، سقط الملك شارل العاشر في الثاني من اوت والأسطول الفرنسي يستعد لشق البحر نحو سواحل الجزائر، وذلك عقب ثورة شعبية أطاحت بحكم عائلة بوربون مرة ثانية وحملت الملك لويس فيليب الأول نحو العرش الفرنسي.

و رغم كل هاته الرجات السياسية، استمرت خطة حصار الجزائر الذي بدأ في أكتوبر من سنة 1827 وانتهى بإستسلام الداي حسين في الخامس من جويلية من سنة 1830.