خلفت الخريطة السياسية الجديدة، التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الجزائرية، إشكالا محوريا شغل بال المواطنين حول « دستورية قرار الرئيس تعيين عبد المجيد تبون وزيرا أول ».

موضوع تسمية خليفة عبد المالك سلال، اكتنفه بعض الغموض نتيجة للمادة المحددة لآلية التعيين، والتي كانت « حمالة أوجه متعددة »، حسب محللين سياسيين حاورتهم « أصوات مغاربية ».

فما هي القراءة الدقيقة للمادة؟ وهل التزم الرئيس بنص الدستور عند اختياره لتبون؟

قراءات متعددة

اللبس الحاصل في الموضوع، ينبع أساسا من القراءات المتعددة لمواد الدستور الجديد المعدل سنة 2016، عند إسقاطها على ما يتم تنفيذه على أرض الواقع.

تنص المادة 91 منه أن رئيس الجمهورية « يعين الوزير الأول بعد استشارة الأغلبية البرلمانية، وينهي مهامه ». وتؤكد المادة 93 أيضا أن رئيس الجمهورية « يعيّن أعضاء الحكومة بعد استشارة الوزير الأول ».

« يتصرف على هواه »

يقول المؤرخ والمحلل السياسي الجزائري أرزقي فراد، في تصريح لـ »أصوات مغاربية »، إن « النظام السياسي الجزائري من الناحية الدستورية يصنف ضمن الأنظمة الرئاسية، لكنه عمليا بعيدٌ عن القيم الديموقراطية ».

ويضيف أن رئيس الجمهورية « ليس ملزمًا بشكلٍ عملي باختيار شخص من الحزب الفائز ».

ويشدد أرزقي على أن « الاستشارة التي نص عليها الدستور عمليا ليست مفروضة على الرئيس، ويمكنه في كل مرة أن يتجاوزها، ويقرر ما يحلو له ».

ويعتبر أرزقي فراد أن الرئيس بوتفليقة منذ تسلمه مقاليد الحكم في البلاد « لم يهتم كثيرا بإرساء دعائم الديموقراطية، ولم يعزز أية لبنة في سبيل تثبيت ركائز المؤسسات، وتحولت السلطات في عهده إلى هياكل شكلية وصورية ».

ويختتم المحلل السياسي تصريحه، بتأكيد أن المؤسسات « ما هي إلا واجهة، وما من ضوابط تحدد آليات يلجأ إليها القاضي الأول في البلاد عند ممارسة صلاحياته ».

« طبيعة الدستور »

الوزير الأول السابق سلال قاد مشاورات مع التشكيلات السياسية
الوزير الأول السابق سلال قاد مشاورات مع التشكيلات السياسية
من جانبه، يعتبر المحلل السياسي عبد العالي رزاقي أن الرئيس بوتفليقة وفق ما نص عليه الدستور كان بإمكانه أن يبقي على حكومة عبد المالك سلال وإعادة تسميتها مرة أخرى.

ويستدل على ذلك قائلا إن « الانتخابات التشريعية الأخيرة أفرزت معطيات مختلفة، مع تراجع حزب جبهة التحرير الوطني، وتقدم التجمع الوطني الديموقراطي وهو حزب للسلطة أيضا ».

ويضيف أن « النظام السياسي الجزائري يمنح الصلاحيات كافة لرئيس الجمهورية، وكان بوسعه أن يعين الوزير الأول حتى من خارج حزب الأغلبية في المجلس الشعبي الوطني ».

صناديق الاقتراع غيرت الخارطة السياسية الجزائرية
صناديق الاقتراع غيرت الخارطة السياسية الجزائرية
« بوتفليقة احترم الدستور »

من جهة أخرى، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة مستغانم (غرب الجزائر) لحبيب بلية أن « رئيس الجمهورية التزم حرفيا بما ينص عليه الدستور الجزائري في مسألة تعيين الوزير الأول ».

ويضيف أنه بعد إعلان المجلس الدستوري لنتائج الانتخابات، وعلى إثر تقديم الوزير الأول عبد المالك سلال استقالته واستقالة حكومته، عيّن رئيس الجمهورية تبون وزيرًا أول.

ويشير لحبيب بلية إلى أن هذه الخطوة تأتي بعد إنهاء الوزير الأول المنتهية ولايته سلال المشاورات، مع الأغلبية البرلمانية، الممثلة في حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمع الوطني الديموقراطي (261 مقعدا من إجمالي 462 مقعدا)، والتي كان قد كلفه بها رئيس الجمهورية.

ويستطرد قائلا إن « النتائج التي تخلص إليها هذه الاستشارة غير ملزمة لرئيس الجمهورية ».

وبحسب بلية فإن من يتحدث عن خرق للدستور فيما يتعلق بقيادة سلال لهذه المشاورات قبل الإعلان الرسمي للمجلس الدستوري للنتائج النهائية للتشريعيات، « جانب الصواب، طالما أن هوية الأغلبية البرلمانية اتضحت منذ الإعلان الأولي على نتائج الانتخابات، بالنظر للفارق الكبير بين هذه الأغلبية وما يليها ».

ويؤكد أنه ليس هناك في الدستور الجزائري ما يمنع الرئيس من تفويض مهمة القيام بهذه المشاورات لشخص آخر، مستدلا بأن المادة 101 من الدستور تمنع رئيس الجمهورية فقط من تفويض سلطته في تعيين الوزير الأول، وأعضاء الحكومة وكذا رؤساء المؤسسات الدستورية، وأعضائها الذين لم ينص الدستور على طريقة أخرى لتعيينهم.