من 800 ألف إلى 15 مليون، هو الفارق الموجود بين تصريحات مختلف المسؤولين والهيئات المعنية بإحصاء الفقراء في الجزائر، حيث أنَّ الحكومة عجزت عن وضع تعريف موحد لصفة “فقير”، رغم اتفاق مختلف المسؤولين على أن نسبة كبيرة من الإعانات الممنوحة لهذه الفئة يستفيد منها محتالون وأغنياء!

من بين الهيئات التي تبنّت مهمة إحصاء الفقراء، هي وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، على اعتبار أنها تقدم إعانات وتوزع الزكاة، وقد أحصى الوزير المسؤول عن القطاع في جوان من سنة 2015 ما يقارب الـ600 ألف عائلة فقيرة فقطـ، وهو ما سارعت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان إلى تكذيبه، وإعطاء رقم صادم لعدد الجزائريين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر، يتجاوز 15 مليون جزائري.

ومن بين الوزارات التي أعلن مسؤولوها المتعاقبون على استحداث إجراءات لإحصاء الفقراء في الجزائر، هي وزارة التضامن الوطني وقضايا المرأة والأسرة، فقد أعلنت في وقت سابق الوزيرة سعاد بن جاب الله عن استحداث بنك يضم قائمة بفقراء الجزائر، وأكدت عليه الوزيرة السابقة مونيا مسلم سي عامر بتاريخ 8 جوان 2016، التي اعترفت أن الأرقام الدقيقة لعدد المعوزين بالجزائر غير متوفرة بسبب عدم تحديد مقاييس الفقر أو المحتاج الحقيقي! وأن الجزائر لا تتوفر على نظام لتحديد هذه الفئات، كاشفة عن تدارك الحكومة الوضع “قريبا” عبر استحداث لجنة ستحدد معايير الفئات الهشة ومن هو المعوز في الجزائر، والعمل الذي سيسمح بتحديد مستحقي الاعانات المالية، وربما مستقبلا ما تعلق بمن يستحق الاستفادة من سياسة دعم الأسعار مثلا.

كما أضافت المسؤولة نفسها، من خلال التصريح الذي يعود إلى أكثر من سنة ونصف السنة، أن هذا العمل يتم على مستوى لجنة خاصة تضم خبراء بوزارة المالية تضمّ عدّة قطاعات، منها وزارة التضامن والصحة والعمل وقطاعات أخرى.

غير أن هذه الإجراءات لم تر النور، حيث أن وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة الحالية غنية الدالية هي الأخرى كشفت، قبل أيام، عن شروع مصالحها في إحصاء كل الفئات الهشة والمحتاجة لإنشاء بنك معلومات دقيق يستهدف توجيه النفقات إلى مستحقيها من الفقراء، وتطهير قوائم المحتاجين من الانتهازيين الذين تعوّدوا على أخذ المساعدات دون وجه حق في غياب الرقابة!

ورغم أن جميع الهيئات التي تتدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في إحصاء الفقراء، تعترف أنها لا تملك أرقاما واقعية، إلا أنها تعطي دوريا إحصائيات “تقريبية” لعدد المعوزين في الجزائر، وفي كل مرة تكون متضاربة فيما بينها، حيث أن وزارة الداخلية والجماعات المحلية تقدر من جهتها، عدد الفقراء بالجزائر بين 1.7 و2 مليون فقير بناء على المواطنين الذين يستفيدون من الإعانات المالية للصندوق الوطني للتضامن، والموجه للجزائريين الذين لا يعملون ويستفيدون كذلك من بطاقة الشفاء، لتعترف أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع، وهذا حسب تصريح لوزيرة التضامن السابقة مونيا مسلم أيضا.

وحسب المسؤولين ذاتهم، فإن المساعدات والإعانات التي تمنح للفقراء في إطار التكفل بهم، على غرار “قفة رمضان” والزكاة، وغيرها، كانت تمنح لفقراء “محتملين”، في حين لا يستفيد فقراء آخرون غير محصين من هذه الإجراءات كلها.

كما طفى على السطح “جهل” الحكومة بفئات المجتمع خلال استحداث إجراء يقضي بفرض ضريبة على الثروة، أدرج في قانون المالية 2018، غير أنه سحب لأسباب، من بينها عدم وجود إحصاء لأصحاب الثروة، حسب تصريحات رسمية.