كثرت الدعوات إلى “النظام” التي ما انفكت توجهها المؤسسة العسكرية ورموزها إلى الرأي العام وضباطها المتقاعدين، فقد وصلت إلى ثلاث “خرجات” في ظرف أقل من أسبوعين، وهو معطى لم يكن مسبوقا.
هذه الخطوة باتت في نظر مراقبين استرتيجية إعلامية جديدة، قوامها التعبير الفوري عن مواقف المؤسسة بشأن قضايا معينة، إما عبر مجلة “الجيش” باعتبارها لسان حال المؤسسة العسكرية، أو على لسان الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي.
في وقت سابق، اعتادت المؤسسة العسكرية أن توجه رسائلها إلى الرأي العام عبر مجلة “الجيش”، وفي حالات خاصة تسرّب ما تريد تسريبه إلى جهات إعلامية مقربة أو موثوقة، ثم تنسب هذه الأخيرة معلومات إلى “جهات مأذونة” في وزارة الدفاع، وهي الاستراتيجية التي عملت بها المؤسسة العسكرية في النصف الثاني من عشرية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، وهو ما جلب لها وصف “المؤسسة الصامتة” وفق ما هو متداول.
غير أنه ومع استقالة قائد الأركان السابق، الفريق محمد العماري، في العام 2004، ومجيء قائد الأركان الحالي، الفريق أحمد قايد صالح، تغيرت الاسترتيجية وباتت أكثر صرامة، حيث انحصرت مواقف المؤسسة، إما في البيانات التي تتضمنها مجلة “الجيش” أو من خلال افتتاحيتها، أو من خلال التصريحات الصادرة عن قائد الأركان في زياراته الميدانية للنواحي العسكرية أو في نشاطاته العادية.
هذه الاستراتيجية، أضفت برأي مراقبين، المزيد من الشفافية على مواقف المؤسسة العسكرية، كما مكنتها من التعاطي بسرعة مع الأحداث التي تعيشها البلاد، وقد لعب قرار الجمع بين المنصب السياسي (نائب وزير الدفاع)، والصفة العسكرية (قائد أركان الجيش) للفريق أحمد قايد صالح، دورا كبيرا في تسهيل تجسيد الاستراتيجية الجديدة.
ويمكن تلمس الاستراتيجية الإعلامية الجديدة للمؤسسة العسكرية من خلال، مواقفها الأخيرة، حيث تفاعلت مع التطورات المسجلة بسرعة، ففي ظرف وجيز لم يتعد الأسبوعين، وجهت المؤسسة العسكرية رسالتين، الأولى عبر بيان تمضنته مجلة “الجيش” وكان ذلك في الثلاثين من ديسمبر الأخير، حذرت فيه ضباط متقاعدين من إحالتهم على العدالة في حال استمروا في دعواتهم المؤسسة العسكرية إلى التدخل في الشأن السياسي.
وكتبت المجلة: “بخصوص كتابات مقالات صحافية من قبل عسكريين متقاعدين، فإن هذه التصرفات المتكررة قد تجاوزت بتماديها حدا لا يمكن السكوت عنه، فإن مؤسستنا تحتفظ بحقها كاملا في اتخاذ، الإجراءات القانونية الملائمة ضد هؤلاء”.
أما الثانية، فكانت في الثامن من الشهر الجاري، وجاء ذلك على لسان قائد الأركان خلال زيارته إلى الناحية العسكرية الثالثة: “إنني أحرص على التنبيه مرة أخرى إلى تعوّد بعض الأشخاص وبعض الأطراف، ممن تحركهم الطموحات المفرطة والنوايا السيئة، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي، على أن يحاولوا إصدار أحكام مسبقة ليست لها أيـ مصداقية إزاء مواقف المؤسسة العسكرية من الانتخابات الرئاسية، ويمنحون أنفسهم حتى الحق في التحدث باِسمها، باستغلال كافة السبـل، لا سيما وسائل الإعلام”.
وتشير هذه الفقرة ضمنيا، إلى اللواء المتقاعد علي غديري، الأمين العام السابق لوزارة الدفاع، الذي نشر مقالات تدعو مؤسسة الجيش إلى اتخاذ موقف من الانتخابات الرئاسية، وهو ما اعتبرته المؤسسة العسكرية تجاهلا لـ”المبادئ الراسخة التي لطالما استرشد بها الجيش والتي جعلت منه مؤسسة في خدمة الشعب الجزائري وحده دون سواه”.
وليست هي المرة الأولى التي تدعو فيها المؤسسة العسكرية الضباط المتقاعدين إلى “النظام”، وقد وصل أقصى رد فعلها إلى تقديم أحد ضباطها وهو اللواء المتقاعد، حسين بن حديد، إلى العدالة وقضى بسبب ذلك نحو عشرة أشهر سجنا.

Echorouk online