مع صباح كل يومٍ جديد، تُلتَقط ملايين الصور الفوتوغرافية حول العالم، تروي قصصًا متنوعة عن الفرح والحزن والمواساة والسعادة. ومن بين هذه الملايين، تبرز العديد من الصور التي خلدت أسماء أصحابها عبر التاريخ، ووثقت بعدساتهم لحظات مهمة في حياة البشرية. في هذا التقرير نستعرض 10 من أكثر الصور تأثيرًا حول العالم.

 1- ريلجا: طبيب أحيا قلب مريضه فعاش أطول منه

قضى بين التوتر والقلق 23 ساعة، يصحبه الكثير من الجهد والعرق، وهدوء قاتل لا يقطعه سوى صوت الأدوات الجراحية التي تشق صدر المريض. يُخرج الطبيب البولنديّ زبينيف ريلجا قلب مريضه القديم المتهالك، ويقوم بزراعة قلب جديد من جسد مُتوفي حديثًا في أول عملية زرع قلب تتم في بولندا. بعد مجهود طويل و23 ساعة كاملة، يجلس الطبيب في هذه الصورة  التي التقطت عام 1987، غير ناظر إلى الكاميرا؛ بل إلى الأجهزة الطبية التي تراقب قلب المريض، وعلى يسار الصورة ممرضة أضناها التعب فسقطت من مكانها نائمة على الأرض في واحدة من أكبر الصور تأثيرًا في تاريخ الطب.

الجدير بالذكر أن العملية تمت بنجاح، وقد عاش بعدها المريض عمرًا أطول من الطبيب الذي قام بإجراء العملية له، إذ تُوفي الطبيب عام 2009، بينما ظل قلب المريض الجديد يعمل بعد تلك الصورة بكفاءة تامة مدة 30 عامًا كاملة إلى أن توقّف تمامًا عام 2017، ليلتحق المريض بالطبيب تاركًا لنا هذه الصورة التاريخية التي ستظل طويلًا في ذاكرة الطب.

2- «لياو».. لا صديق أكثر وفاءً من الكلب

لطالما صنعت احتمالية توقع الكلاب للزلازل والانهيارات الأرضية جدلًا واسعًا بين العلماء. بعض الدراسات تؤكد أن لدى الحيوانات قدرة على التنبؤ بالزلازل قبل شعور البشر بها، وبناءً على ذلك تقوم بتصرفات غريبة قبيل حدوث الكارثة.

في عام 2011، حدثت مجموعة انهيارات أرضية في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، مات على إثرها صاحب هذا الكلب الذي يظهر في الصورة، رُبما توقع «لياو» الانهيار قبل حدوثه، وربما حاول تحذير صاحبه مما سيحدث، لكن كل هذا لم يمنع الموت من الوصول إليه، وبعد أن تتبع الكلب صاحبه إلى القبر، جلس بجواره في مشهد قلّما يحدث حتى في أفلام السينما. التقطت هذه الصورة في اليوم الثاني من وفاة الرجل، ولا يزال «لياو» يجلس بجانب صاحبه حتى بعد وفاته.

دائمًا ما يُضرب المثل بالكلاب في الوفاء للبشر، هذا الكلب كان وفيًا لصاحبه في حياته، وبعد موته أيضًا.

3- أظافر نبشت في أفران الغاز.. صورة أرّخت لجحيم «الهولوكوست»

الآن بدأ الكابوس.

بهذه الكلمات علّق ملتقط الصورة على دخوله إلى معسكر الإبادة الجماعية الأكبر في تاريخ البشرية «أوشفيتز» في بولندا، والذي أقامه النازيون أثناء الحرب العالمية الثانية، واحتجزوا بداخله ملايين اليهود والأسرى البولنديين.

وفقًا لمتحف الهولوكوست الأمريكي فقد قُتل داخل أفران الغاز في هذا المعسكر فقط ما يزيد على مليون إنسان غالبيتهم من اليهود، بالإضافة لمجموعة من البولنديين والسوفييت والسجناء السياسيين في عهد النازية.

لا يزال مبنى المعسكر قائمًا حتى اليوم، إذ اعتبرته اليونسكو أحد مواقع التراث العالمية. ويزوره سنويًّا مئات الآلاف من السياح، يسمعون عما حدث داخل المعسكر، قبل أكثر من 70 عامًا، وما حدث حينها كان أصعب من أن يُحكى.

احتشد المئات داخل الغرف الصغيرة التي أقامها النازيون، يأمرهم الجنود بخلع ملابسهم كافة، والتقدم داخل الغُرف الضيقة، إذ يتمّ إيهامهم أنها غرف استحمام، لكنها في الواقع كانت عبارة عن أفران غاز ستقوم بعد قليل بحرقهم. سرعان ما يدركون الحقيقة، حشد واندفاع، محاولة للنجاة بلا أي أمل، يلتصقون بالحائط ويضربون عليه بأكُفّهم  ولا مجيب، في الختام يشدّون بأظافرهم على الحائط الصلب في محاولة يائسة للنجاة، ويصنعون تلك الخدوش التي تظهر في الصور، سرعان ما يرحلون، وتبقى تلك الخدوش حتى اليوم شاهدة على ما تم داخل جدران غرف الموت.

4- طفلة السودان والنسر.. الصورة التي قتلت صاحبها مرتين!

بلا شك تُعتبر هذه الصورة إحدى أكثر الصور تأثيرًا في القرن العشرين، وقد التقطها المصور الجنوب أفريقي كيفن كارتر عام 1993، ونال على إثرها جائزة «بوليترز» للأعمال الصحافية.

خرج كارتر إلى قرية «أيود» في السودان التي اجتاحتها مجاعة ضارية، وقد تم إخباره قبل ذلك بتجنب ملامسة البشر هناك حتى لا تنتقل إليه أي عدوى. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُصور فيها كارتر أحداثًا مأساوية، فقد تربّى في جنوب أفريقيا التي شهدت في القرن الماضي واحدة من أعنف عمليات التمييز العنصريّ ضد السود على يد البيض، وقد كان كارتر واحدًا منهم. إلا أنه كان رافضًا بقوة سياسات الفصل العنصري، فكان أول من صوّر حادثة «الإعدام بالحرق» لرجل أسود اتهم بإقامة علاقة مع زوجة رجل شرطة.

بالعودة إلى تلك الصورة، حين وصل كارتر إلى القرية، لمح من بعيد تلك الطفلة التي أضناها الجوع والتعب وفارقها أبواها، وكانت تزحف ببطء نحو معسكر توزيع الطعام. وقف هذا النسر خلفها ينتظر موت الطفلة كي ينقض عليها، ولم يكن وحده الذي ينتظر. كان كارتر هو الآخر ينتظر نحو 20 دقيقة كي يفرد النسر جناحيه ليلتقط الصورة أفضل لقطة ممكنة، في النهاية لم يفتح النسر جناحيه ولم يفرد كارتر ذراعه لهذه الطفلة كي يحملها إلى معسكر الطعام، فالتقط الصورة وترك الطفلة خلفه ورحل.

تم نشر الصورة لأول مرة في جريدة «نيويورك تايمز» في 26 مارس (آذار) عام 1993، وبُعيد نشرها بساعات لاقى كارتر الكثير من الاستهجان من قِبل الناس الذين لاموه بشدة على تركه للطفلة، وأرسل قرّاء الجريدة يسألون عن مصيرها، لكن الصحيفة أجابت بأنها لم تتمكن من معرفة ما إذا كانت الطفلة قد وصلت إلى معسكر الطعام أم لا.

نال كارتر جائزة «بوليترز» على هذه الصورة، لكن نبرات الاستهجان التي وصلته وانتشارها الكبير حول العالم قتلت فرحته بهذه الجائزة، وبعد عدة أشهر: قتلته الصورة نفسها، إذ قاد شاحنته نحو ملعب صغير اعتاد أن يلعب فيه أثناء طفولته، وقام بإيصال عادم الشاحنة بالكابينة الخاصة بها ليموت منتحرًا بغاز أول أكسيد الكربون تاركًا رسالة جاء فيها:

«أنا آسف جدًا، لكن ألم الحياة يفوق متعتها بكثير، أنا مكتئب، تطاردني ذكريات حية من عمليات القتل والجثث والغضب والألم لأطفال يتضورون جوعًا أو جرحى».

5-لن يفرقنا الموت أبدًا!

في الثامن من مايو (أيار) عام 2013، انهار مصنع ملابس في بنجلاديش مخلفًا وراءه ما يقرب من ألف قتيل وثلاثة آلاف جريح. الحادثة التي هزّت بنجلاديش حينها، عدت واحدة من أسوأ حوادث الإهمال في البلاد، وأحدثت ضجة كبيرة طالب فيها المواطنون بالكشف عن السبب الرئيس لانهيار المصنع، وعملِ الآلاف بداخله في ظروف غير آدمية.

لقد كانت هذه من بين المآسي القليلة التي تركت جرحًا غائرًا لدى البشر واستطاعت عدسات الكاميرا توثيقها وتلخيص معانيها المتناقضة، بين الألم والموت والحبّ الصادق حتى اللحظات الأخيرة، وقد التقطت المصورة تسليمة أختار هذه الصورة لجثتيّ اثنين من العاملين في المصنع تحت الأنقاض، بينما يحتضنان بعضهما بعضًا، في صورة أبلغ من ألف كلمة.

6- شروق الأرض.. حين تخطّت البشرية آفاق المعقول

على الرغم من أن العلماء قد حسموا منذ وقت بعيد مسألة شكل الأرض، وهل هي كروية أم مسطحة، فإن البشر لم يتمكنوا أبدًا من الخروج عن كوكب الأرض والنظر له على طبيعته من الفضاء الخارجيّ حتى القرن العشرين، الذي شهد صعود البشر إلى الفضاء للمرة الأولى في تاريخهم وإرسال العديد من رواد الفضاء والرحلات الاستكشافية خارج كوكب الأرض.

في عام 1968 أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا مهمة «أبولو 8» للدوران حول القمر، وبعد نجاح طاقم المهمة في الوصول إلى مدار القمر، قام رائد الفضاء ويليام أندرز بالتقاط هذه الصورة لكوكب الأرض من مدار القمر، وتكمن أهمية الصورة التي يظهر فيها محيط الأرض في أنها أول صورة التقط للكوكب الذي نحيا عليه من الفضاء البعيد عبر تاريخ البشرية كلها.

7- أتسمعني؟ الآن فقط: نعم!

لا تحتاج هذ الصورة الكثير من الكلمات لوصفها، التقطت عام 1974 للطفل الذي وُلد أصم: هارولد ويتلس، عند سماعه الأصوات لأول مرة في حياته بعد تركيب سمّاعة أذن مساعدة له، وقد وثّقت هذه الصورة مشاعره عند سماعه الأصوات لأوّل مرّة.

8- «الثورة نور واللي طفاها خبيث»

بهذه الكلمات نعى الشاعر المصريّ الراحل عبد الرحمن الأبنودي ثورة ال25 من يناير، التي وصفها بالنور الذي انطفأ، كما وُصِف من ماتوا فيها قبل ذلك «بالورد اللي فتح في جناين مصر». في إحدى أجمل مشاهد الثورة المصرية التي التقطتها نيفين زكي في الثالث فبراير (شباط)
2011، وقف المصريون المسيحيون في ميدان التحرير متشابكي الأيدي لحماية المصريين المسلمين أثناء أدائهم الصلاة في قلب ميدان التحرير.

التُقطت هذه الصورة بعد شهر واحد تقريبًا من أحداث تفجيرات كنيسة القديسين في الإسكندرية، ما يبرهن حالة الترابط التي كانت بين أطياف الشعب المصريّ كافة في ثورة الخامس والعشرين من يناير، كما وصفتها صحيفة الديلي ميلالبريطانية التي سلطت الضوء على هذه الصورة، وبعد ذلك انتشرت انتشارًا عالميًّا في وسائل الإعلام الأجنبية. وما تزال حتى الآن في تصنيفات المواقع العالمية لأكثر الصور تأثيرًا على الإطلاق.

9- «إنه حار.. حار جدًا» صورة فتاة أوقفت الحرب.. وفيسبوك أيضًا

أثناء حرب الولايات المتحدة على فيتنام، ألقت القوات الفيتنامية الجنوبية في الثامن من يونيو (حزيران) عام 1972 قنبلة نابالم على القرية التي كانت تسكن فيها الطفلة ذات التسع سنوات، والتي تظهر في الصورة: فان كيم فوك. وهي تركض عارية ينتابها الفزع والرعب بعد أن أحرق النابالم جسدها الصغير، كانت تركض في الشارع مع أطفال آخرين وهي تصرخ: نونغ كوا.. نونغ كوا أي «حار جدًا.. حار جدًا».

في البداية ترددت صحيفة النيويورك تايمز في نشر الصورة نظرًا لكون الفتاة عارية، لكنها نشرتها بعد ذلك وحصل المصور نيك أوت على جائزة البوليترز، واختيرت صورة العام في الصحافة.

بعد سنوات عولجت الطفلة فان فوك، وحصلت بعد ذلك على الجنسية الكندية، وما تزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا، لكن صورتها نبّهت العالم إلى آثار الحروب، وما يمكن أن تلحقه بأجساد الصغار والكبار على حد سواء، إلا أن قصة الصورة لم تنته عند هذ الحد.

في عام 2016 قام الكاتب النرويجي «توم إيجلاند» بنشر هذه الصورة عبر حسابه على الفيسبوك، إلا أنه فوجئ بحذفها من إدارة الموقع «لخرقها سياسة التعري» الخاصة بالموقع الشهير. بعد حذف الصورة لاقى الموقع ومؤسسه مارك زوكربيرج الكثير من الانتقادات التي اشتعلت بعد قيامه بحذف الصورة نفسها من حسابات أخرى، فقام أعضاء من الحكومة النرويجية وسياسيون نرويجيون بمشاركة الصورة مرة أخرى عبر حساباتهم، واتهموا مارك بإساءة استخدام سلطته، ورأى المنتقدون أن هذه الصورة تؤرخ لحقبة مهمة في تاريخ الإنسانية، لا يمكن حذفها بدعوى انتهاك سياسة التعري.

استمرت تلك الانتقادات حتى تراجع فيسبوك أخيرًا عن حذف الصورة، وأوضح أنه سيسمح بمشاركتها نظرًا لأنها صورة أيقونية ذات أهمية تاريخية.

10- إيلان كردي.. صورة تحكي المأساة السوريّة!

الزمان: الثاني من سبتمبر (أيلول) عام 2015.

المكان: شاطئ بودروم في تركيا.

الحدث: يلمح شرطي تركي شيئًا ما تتقاذفه الأمواج على الشاطئ، إلى أن تستقر به وتلقيه على الرمال، وتعود أدراجها داخل البحر كأنها سلّمت الأمانة التي حملتها بداخلها. يخرج الشرطي وهو لا يكاد يميز الشيء المُلقى لصغر حجمه، يقترب منه، فيجده طفلاً صغيرًا نائمًا على بطنه، يحاول تحريك الطفل ولا مجيب. لم يكن إيلان نائمًا حقًّا، بل كان جثة هامدة.

جميل وأنيق ومهندم لدرجة أنه لم ينس حذاءه الصغير داخل البحر رغم قسوة الأمواج عليه، يلتقط المصور التركي نيلوفر ديمار صورة إيلان ليراها المليارات في مشهد هزّ العالم بأسره، وذكّرَه بمآسي اللجوء وحكايا اللاجئين الذين تخلى عنهم كما تخلى عن إيلان ووالدته وأخيه.

كان إيلان وعائلته يحاولون اللجوء إلى اليونان من خلال شاطئ تركيا، وبعد قطعهم مسافات طويلة في عرض البحر المتوسط، انقلب القارب، وانقلبت معه أحلام إيلان في اللجوء إلى وطن يحترم آدميته ويراعي طفولته التي لم تزل بعد في مهدها، حاول والده إنقاذه هو وأخيه، إلا أن الموج كان أقسى منهم فابتلع بداخله إيلان وأخيه ووالدته وأهدى العالم جثته التي ستظل سنين طويلة في ذاكرة كل من رآها.

شُيعت جنازة إيلان يوم الرابع من سبتمبر (أيلول)، ودُفن في مقبرة الشهداء مع شقيقه وريحانة والدته في مدينة عين العرب الحدودية مع تركيا، وهي المدينة التي غرق إيلان في طريقه لكي يخرج منها، لكنه سرعان ما عاد إليها، وعاد معه ضمير العالم الذي هبّ بعد رؤية الصورة، فتضاعفت التبرعات التي وصلت إلى الصليب الأحمر السويديّ في الأسبوع الأول عقب غرق إيلان مئة مرة، وناشدت العديد من المنظمات الحقوقية الأممَ المتحدة باتخاذ موقف حاسم لإنهاء معاناة اللاجئين ومآسيهم.

ربما لم تنته بعد قضية اللاجئين السوريين، وربما نسي البعض الضحايا الآخرين الذين ماتوا غرقًا، ولم تُخرج الأمواج جثثهم إلى الشاطئ كما
فعلت مع إيلان، لكن المؤكد أن صورة إيلان أرّخت لنظرة إنسانية جديدة، وصارت رمزًا لمعاناة اللاجئين حول العالم.

المصدر