طوال خمسة عشر عامًا من عمري، عملت في صناعة المال. وقد كان هناك قاسم مشترك بين الأشخاص الذين عملت معهم، فكلهم من عاشقي أحذية جوتشي، ويحبون تناول وجبة الإفطار من ليفر هاوس، وجميعهم كانوا يؤمنون بالكأس المقدسة التي كنا نسميها «الرقم».

كان لجميع العاملين في هذه الصناعة رقمهم الخاص، وهو مقدار المال الذي يتطلعون لادخاره في البنك قبل أن يتركوا وظائفهم ويقضوا بقية حياتهم في السفر حول العالم أو ينشئوا تجارتهم الخاصة أو يقضوا الوقت مع أطفالهم أو في فعل ما يحلو لهم. كان الرقم بمثابة المفتاح لحل كافة مشاكلنا. وكان هو ما يجعل من ساعات الجهد المضني ذات قيمة.

لطالما آمنت بالرقم، ولطالما اعتقدت أنني على بعد أصفار قليلة من تحقيق الأمان المالي الشخصي الذي سيساعدني على العيش بلا قلق. لكنني توقفت عن الاعتقاد بذلك، لأنني أدركت أن الرقم كان اختصارًا كسولًا أتاح لي تجنب تقييم المغزى من حياتي.

معادلة صعبة

هكذا يحدد العاملون في القطاع المالي الرقم الخاص بهم. أولاً، يقومون بتحديد ما سينفقونه سنويًا عند التقاعد. بعد ذلك، يقومون بقسمة ذلك الرقم على العائد من الاستثمار السنوي المتوقع على كافة مدخراتهم واستثماراتهم.

لتبسيط المعادلة، إذا كان بوسعك أن تعيش حياة رغيدة بإنفاق 150 ألف دولار في السنة، وتفترض أن العائد السنوي على الاستثمار سيبلغ 2%، فإن الرقم الذي يتعين عليك الوصول إليه هو 7.5 مليون دولار. وإذا كنت تعتقد أن استثماراتك يمكنها أن تتساوى مع نسبة العائد على الاستثمار في بورصة S&P 500 البالغ 8%، فإنك تحتاج إلى جمع 1.9 مليون دولار قبل أن تتقاعد. كما يمكنك تعديل هذه المعادلة لوضع الضرائب في الاعتبار، ولإضافة أحداث الحياة المتوقعة مثل الزفاف وشراء منزل وسداد المصاريف الجامعية لأطفالك.

شخصيًا، كان لدي رقم أسعى وراءه، ورغم أنّي لن أحدده هنا، سأقول إنه قد تغير بتعاقب السنوات حيث إنني قد أضفت وطرحت أصفارًا منه. لكنني تخليت عن الفكرة بشكل كامل في نهاية المطاف، لأنها تشوبها العيوب.

أولاً، يصعب تحديد الرقم بدقة، وذلك لأنه يتعين عليك افتراض الكثير من الأمور التي ستحدث في حياتك.

كانت فكرة الرقم رائجة للغاية بين من هم في العشرينيات والثلاثينيات من العمر. وكان من المنطقي وضع خطط مالية لتحقيق أحلامنا. ولكن في الواقع، عجز العديد منا عن التنبؤ بميعاد الزواج، لأن ذلك مرتبط بلقاء الشخص المناسب. ولم نتمكن من معرفة ما إن كنا سنحظى بأطفال أم لا وكم سيبلغ عددهم. أظن أن ما دعاني للتعلق بفكرة الرقم هو أنها أعطتني وهم السيطرة. كانت ترجمة طموحاتي إلى قوائم مالية وسيلة لطمأنة نفسي بأن حياتي تسير وفق ما هو مخطط، أو على الأقل، أنها ستكون كذلك قريبًا.

مشكلة أخرى للرقم هي أنه يمكنه أن يأخذك في  طريق خطيرة. فالغرض منه بالأساس هو أن يكون أداة مالية. لكن بالنسبة لي، فقد أصبح سبورة لقياس النجاح وسباقًا لرؤية من سيحقق هدفه.

وما إن فكرت بهذه الطريقة، توسع رقمي سريعًا. وقد لاحظت أنني أصبحت ماديًا للغاية. على سبيل المثال، لم أكن أعرف أي شيء عن الساعات، لكنني بدأت أحسد كل المديرين الذين يرتدون ساعات ضخمة من ماركة بانيراي. أردت اقتناء واحدة أنا الآخر، بصرف النظر عن مدى ارتفاع ثمنها. وما لبثت أن بدأت أعقد مقارنات حول كل شيء، مثل خواتم الخطوبة إلى الشقق ووجهات العطلات الصيفية. لقد أدمنت ما أسماه بين كاسنوتشا بـ«كوكايين المكانة».

وقد قادتني تجربتي إلى الاطلاع على أبحاث أظهرت أن الساعين خلف أهداف غير جوهرية مثل المال أو الشهرة أو المكانة، يميلون إلى فقدان الثقة في النفس، وزيادة الاعتماد على الأدوية. والوقوع أكثر فريسة للدعاية التلفزيونية. الأسوأ من ذلك، هو أن العلاقات مع الأصدقاء وشركاء الحياة تعاني عندما يركز الناس على الساعات باهظة الثمن وغيرها من الكماليات. وتسيطر الغيرة على المعاملات. وهكذا، وعلى الرغم من أنني أحظى بمهنة رائعة وعائلة ومجموعة من الأصدقاء، فقد تركني الرقم أشعر بعدم الأمان

لكن أكبر عيوب الرقم هو التركيز الأحادي عليه. يحرمك التفكير المستمر بشأن مقدار المال الذي تحتاجه حتى تعيش حياتك من الاستمتاع باللحظة الراهنة. والأسوأ من ذلك أنه يعدّك لتأجيل خطط الحياة. ما انفككت أقول لنفسي «عندما أصل إلى الرقم المحدد، سأصبح سعيدًا وستبدأ حياتي حينها».

وقد ظهرت طريقة التفكير هذه في سلوكياتي. فكنت أتناول المشهيات وأنا أفكر في الحلوى. أو أكون في أجازة، فأتجاهل الشاطئ والنخيل، وأشرع في التخطيط للأجازة القادمة.

وقد أضاف كل ذلك إلى شعوري بعدم الرضا، حتى عندما بدأت أقترب من تحقيق هدفي. وكلما فكرت في الأمر، أدركت أكثر أنني كنت أفكر بشأن المال والنجاح بشكل خاطئ تمامًا.

وعندما جلست أفكر في الأشياء التي تزيد من رصيد سعادتي، فقد شملت أن أكون برفقة زوجتي وابنتي، والحاجة للانفراد بالنفس (كأن أتخلى عن استخدام الإنترنت)، وأنتعل حذاءً من ماركة نايك وأرتدي جينزًا ضيقًا كل يوم بدلاً من ارتداء بنطال ذي ثنيات، وأمارس الرياضة والتأمل، وكلها أنشطة تغذي الجسد والعقل والروح.

لقد احتجت إلى قدر من المال للصرف على عائلتي وعضوية صالة الرياضة وأشياء أخرى، ولوازم الحياة اليومية. ولكنني لم أرغب في التركيز فقط على الادخار للمستقبل البعيد، وإنما أردت الاستمتاع باللحظات القيمة مع عائلتي المتمددة. أحتاج إلى حياة سعيدة مرضية، الآن.

لقد هجرت العمل في القطاع المالي لصالح العمل رائدًا للأعمال هذه الأيام. وأدرك أن هذا المسار له معدل مرتفع من الفشل، وأكابد العناء حتى أفكر بشكل ذكي بشأن المال. ولكن بينما ما أزال أحمل تقديرًا للاستقرار المالي، أحاول الآن إقامة توازن بين التفكير المتعقل والقلق غير الضروري. وعندما يتعلق الأمر بالمستقبل، فثمة أمور يمكنني التنبؤ بها – مثل ذهاب ابنتي إلى الجامعة على سبيل المثال – وأشياء أخرى لا يمكنني التنبؤ بها. لذا فعندما أنظر إلى حسابي البنكي هذه الأيام، فلست أتوقع أن أحصل على تأكيد بشأن اختيارات حياتي أو التفكير في قيمتي الشخصية. أدرك أن المال لن يقوم بذلك لحسابي. فكل ما أراه الآن هو مجرد أرقام.