لم يستبعد وزير المالية، محمد لوكال، لجوء الجزائر إلى الاستدانة الخارجية لتمويل مشاريع هيكلية ذات مردودية وفق شروط تفضيلية مستقبلا، رغم أنه قال أنها لا تمثل أولوية بالنسبة لها في الوقت الراهن، رغم تخلي الحكومة بصفة رسمية عن سياسة طبع النقود لمواجهة شح الموارد المالية الذي تعانيه منذ تراجع أسعار النفط في السوق الدولية منذ 2014.

وزير المالية الذي قدم صورة قاتمة عن الوضع الاقتصادي والمالي الحالي للبلاد، تحدث لأول مرة عن الاستدانة الخارجية، ورغم قوله بإمكانية اللجوء إليها لتمويل المشاريع المهيكلة ذات المردودية الاقتصادية التي يمكن الاعتماد عليها لتسديد الدين، قال في الوقت نفسه أنها لا تشكل أولوية للجزائر، في حوار لوكالة الأنباء الجزائرية، يتزامن مع ضبط مشروع قانون المالية للسنة القادمة، وفي سؤال حول إمكانية اللجوء إلى الاستدانة الخارجية بعد أن تم تجميد التمويل غير التقليدي للسنة الجارية، قال لوكال إن “اللجوء إليها لا يشكل حاليا أولوية، لكن يمكن توقعها لضمان تمويل، بطريقة، مستهدفة لمشاريع هيكلية ذات مردودية”.

ويرى وزير المالية إن احتمال اللجوء إلى التمويل الخارجي يتطلب “الخضوع إلى إجراءات استثنائية تتعلق بالمدة الزمنية وفي إطار قروض مطابقة لشروط تفضيلية وموجهة”.

وفي رده على تخوف بعض المحللين من لجوء الجزائر إلى صندوق النقد الدولي حتى تتمكن من مواجهة التزاماتها المالية، نفى لوكال بصفة قطعية هذا المسعى، وقال في السياق إن “الجزائر ليست تحت تهديد ولا رحمة صندوق النقد الدولي”، مضيفا أنه “لدينا احتياطات صرف مريحة ومديونية خارجية لا تتجاوز واحد (1 بالمائة) من الناتج الداخلي الخام ومصادر مالية بديلة تسمح لنا بمواصلة ضمان مصاريف الدولة دون تفاقم اللجوء إلى التمويل غير التقليدي”، دون أن يخوض في تفاصيل المصادر البديلة، وطمأن الوزير قائلا “هامشنا للمناورة”، فيما يتعلق بإمكانيات التمويل “يبقى محفوظا وكبيرا”..

تأتي تصريحات وزير المالية بخصوص إمكانية العودة إلى الاستدانة الخارجية في وقت لم تتوقف فيه دعوات صندوق النقد الدولي، الجزائر لتنويع آليات التمويل من بينها الاستدانة الخارجية والتنازل عن أصول وأسهم الشركات العمومية، وهو الأمر الذي ظل مرفوضا بالنسبة للجزائر جملة وتفصيلا.

واعتبر الصندوق في عدة تقارير سابقة أن مثل هذه الآليات من بين البدائل المتاحة لتفعيل التمويل العمومي، ويرى أن التحدي الذي يواجه الجزائر إلى جانب شح الموارد نتيجة الصدمة النفطية يكمن في كيفية اختيار توليفة من السياسات الاقتصادية والخيارات التي تسمح بتكيّف اقتصادي دائم أمام التحولات بأقل كلفة في مجال النمو ومناصب الشغل.

تجدد الحديث عن المديونية الخارجية، من قبل وزير المالية يحيلنا على الاتفاق الذي تم توقيعه بين الدولة الجزائرية والبنك الإفريقي للتنمية في 23 نوفمبر 2016 “لتمويل برنامج دعم التنافسية الصناعية والطاقوية”، ويعد هذا القرض الأول منذ سنوات وسيفتح الباب أمام الجزائر للاستدانة من الخارج لتغطية العجز في ميزانية الدولة خلال السنوات المقبلة.

وتبلغ قيمة القرض الممنوح من طرف الهيئة المالية الإفريقية 900 مليون أورو، ووجه جزء من هذا المبلغ لتمويل استثمارات سونلغاز، حيث سيخصص للشركة العمومية ذاتها 20 بالمائة من القرض، وهو القرض الذي أشار إليه ضمنيا لوكال عندما تحدث عن مديونية خارجية لا تتجاوز واحد بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

وتأتي تصريحات لوكال أياما فقط من إعلان الحكومة عن تخليها عن سياسة طباعة النقود أو التمويل غير التقليدي، والذي وصلت قيمته وفقا لآخر تقرير صادر في أفريل 2019 عن بنك الجزائر 3.114.4 مليار دينار من مجموع 6.556.2 مليار دينار لإنعاش الاقتصاد الوطني حشدتها الخزينة لدى بنك الجزائر في إطار تنفيذ التمويل غير التقليدي بين منتصف نوفمبر 2017 ونهاية جانفي 2019، أي ما يقارب النصف.

وأكد لوكال، أن اللجوء إلى التمويل غير التقليدي، الذي اعتمدته الجزائر منذ نهاية 2017 لمواجهة تراجع السيولة البنكية بسبب انهيار أسعار النفط، قد “تم تجميده” خلال 2019، غير أنه سيبقى كآلية تمويل صالحة إلى غاية سنة 2022.

وقال الوزير إن “التمويل غير التقليدي بالنسبة للسنة المالية الجارية 2019 قد تم تجميده، غير أنه سيبقى أداة مهمة وغير حصرية لتمويل الخزينة إلى غاية سنة 2022”. وذكر لوكال أن قرار “التعليق المؤقت” للجوء إلى هذا النمط من التمويل، الذي يشار إليه عادة باسم “طباعة النقود”، قد تم اتخاذه خلال اجتماع للحكومة بتاريخ 26 يونيو الفارط.

وحسب المذكرة حول تطبيق هذا التمويل، فإن مبلغ 945.1 مليار دينار قد دخل حساب الخزينة لدى بنك الجزائر، لكنه لم يُضخ بعد في الاقتصاد الوطني. وتم وضع مبلغ 656.7 مليار دينار في حساب الصندوق الوطني للاستثمار لدى الخزينة بغية استعماله وفقا للاحتياجات المؤكدة، في حين إن مبلغ 1.830 مليار دينار يعد محل تعقيم من قبل بنك الجزائر من خلال آلياته المختلفة. ومن مجمل المبلغ الذي حُشد (6.556.2 مليار دينار)، استخدم مبلغ 2.470 مليار دينار في تمويل عجز الخزينة خلال السنتين الماليتين 2017 و2018 وجزئيا بعنوان السنة المالية 2019، كما ساهم مبلغ 1.813 مليار دينار في تسديد الديون العمومية للمؤسسات الوطنية سوناطراك وسونلغاز، وكذا تمويل عملية تسديد القرض السندي للنمو. كما وُجّهت 500 مليار دينار للصندوق الوطني للتقاعد من أجل إعادة تمويل دينه تجاه الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية.

التمويل غير التقليدي الذي انتقد بنك الجزائر اللجوء إليه كخيار في الوقت بدل الضائع، والذي جر وزير المالية الحالي والوزير الأول السابق أحمد أويحيي المتواجد بسجن الحراش إلى التحقيقات القضائية بشأنه، ورغم تخلي الحكومة عنه، إلا أن آجاله القانونية مازالت سارية وصالحة إلى غاية 2022.