لا تستثني حوادث المرور الأليمة التي تحصد أرواح العشرات في الجزائر أي قطاع، بمن في ذلك عمال الصحة، الذين ذهب 3 منهم بمعية رضيع ضحية حادث مؤلم إثر اصطدام سيارة إسعافهم بشاحنة، ما يطرح أكثر من سؤال حول ظروف عمل هؤلاء الأطباء، خصوصا أثناء الحالات الطارئة أو تلك المتعلقة بقطع مسافات طويلة. كما يأتي هذا الحادث ليؤكد مرة أخرى بأن حياة الجزائريين صارت رخيصة!

الأطباء الداخليون يرفضون استغلالهم “غير القانوني”
مستشفى سطيف تحت الصدمة
لا تزال أجواء الصدمة تسود عمال المستشفى الجامعي سعادنة عبد النور بسطيف، بعد وفاة زملائهم في حادث مرور أليم بمنطقة الأربعطاش، عقب اصطدام سيارة للإسعاف تابعة للمستشفى بشاحنة مقطورة.

وسارع مستشفى سطيف إلى تشكيل خلية أزمة ومتابعة للوضع يرأسها مدير المستشفى، نور الدين بلقاضي، الذي رفض الإدلاء بأي تصريح سوى إعلان قائمة الضحايا، في وقت اكتشف فيه الجميع أنهم ضحايا “تدهور فظيع” للمستشفى طيلة عشرين سنة كاملة، رغم ما تم ضخه من أرصدة مالية تم صرفها دون نتائج، ما يعكس وضعية تلك المصالح التي اضطر بموجبها هؤلاء “الضحايا” إلى نقل الطفل فادي فيطاس إلى بواسماعيل “رغم أن المستشفى كان يمكن أن يوفر ذلك وبسهولة تامة”، يقولون.

وكان مستشفى سطيف قد استقبل جثامين الضحايا في ساعة متأخرة من ليلة أول أمس، بحضور المدير الولائي للصحة ومدير المستشفى، وجمع غفير من أهل الضحايا والأطباء والطلبة الجامعيين وعمال المستشفى، فيما تم وضع الجثامين في قاعة النشاطات الطبية لإلقاء النظرة الأخيرة عليهم.

من جانبهم نظم الأطباء الداخليون بالمستشفى وقفة احتجاجية مباشرة بعد سماعهم خبر وفاة زملائهم، ونددوا من خلالها بالوضعية الحرجة التي يوجد عليها المستشفى، مطالبين الإدارة بضمان حقوق الضحايا.

وحسب تصريح ممثل عن الطلبة الأطباء الداخليين، فإن زملاءهم كانوا في “مهمة غير قانونية” باعتبارهم أطباء داخليين متربصين، ومهمتهم تكمن داخل المستشفى فقط، لكن بسبب “الإهمال والتسيب ونقص الإمكانيات”، فرضت عليهم مهام أخرى لمرافقة المرضى إلى مختلف المستشفيات، سواء لنقل المرضى للمعاينة أو لإجراء تحاليل وفحوصات عن طريق أجهزة غير متوفرة بالمستشفى الجامعي سطيف، الذي أصبح، حسب تعبيرهم، هيكلا من دون روح، “فلا أطباء مختصين في بعض الاختصاصات ولا جهاز سكانير ولا جهاز الرنين المغناطيسي”، فلو وجد أطباء مختصون وأجهزة صالحة، يقولون، لما تم نقل أي مريض خارج المستشفى الجامعي..

وأثناء محاولتنا أخذ معلومات من المدير العام، نور الدين بلقاضي، خاصة حول مسألة قانونية انتقال الأطباء الداخليين مع سيارات الإسعاف، رفض المسؤول الإدلاء بأي تصريح قائلا: “لن أدلي بأي تصريح إلا بعد تشييع جثامين الضحايا، ممن ماتوا فهم أولادي”.

سائق سيارة الإسعاف بوجليدة رضا
 ودع الجميع بابتسامة عريضة ثم ركب سيارة الموت!
لا يكاد أحد يصدق أن الوجه البشوش والشاب الخدوم بوجليدة رضا رحل من غير رجعة، وتحدى أحد الأطباء عما إذا كان يوجد شخص واحد لم يقدم له رضا خدمة ولو كانت بسيطة، قائلا “المرحوم لم يرفض أي طلب لعامل معه أو مريض، فرغم صغر سنه إلا أنه لم يكن يوما متهورا وراء مقود سيارة الإسعاف”.

وأضاف محدثنا أن المرحوم رضا كان يدرك جيدا قيمة أن تنقذ حياة مريض، وهو يملك شهادة في قيادة سيارة الإسعاف بحكم أنه كان عاملا في مصلحة الاستعجالات الطبية، وكان ماهرا في القيادة ويرتاد العاصمة لمدة 7 سنوات كاملة بمعدل مرتين في الأسبوع، وكان تقدم لخطبة إحدى العاملات بالمستشفى وكان سعيدا جدا، يمر بالعمال ويقول “راكم معروضين في الصيف إن شاء الله عرسي”.

 الطبيب نبيل شريفي
ترك خطيبته في المناوبة الطبية لتلبية نداء الواجب
كان هادئ الطباع، حيويا ونشيطا عندما يتعلق الأمر بمعرفة شيء جديد عن الطب، دائم التطلع لأن يكون طبيبا مختصا في جراحة الأطفال، رفض زملاؤه الطلبة أن يناديه أحد باسمه، وطالبوا بأن يكون لقبه الطبيب الشهيد، لأنه ترك كل شيء وراءه وغادر في سيارة إسعاف لإنقاذ روح طفل لم يتجاوز الشهر من العمر.  ترك زوجته المستقبلية بعد أن خطبها منذ أسبوع فقط في المناوبة الطبية، واستقل سيارة الإسعاف. ويروي أحد زملائه الذين كان معهم في المناوبة الطبية، وهو يقول له “واش دكتور ما هو برنامجك اليوم.. فرد قائلا: أنا على ربي رايح إن شاء الله للعاصمة من أجل طفل رضيع، يجب أن يصل إلى بوسماعيل باش يشوفو قلبه”.

الدكتورة سلامي حفيظة
كانت لا تعرف النوم أيام المناوبة الطبية
يروي الكثير من زملاء الطبيبة والطالبة المتربصة سلامي حفيظة، أنها كانت من أنشط الأطباء وأكفئهم على الإطلاق، كانت لا تعرف النوم أثناء المناوبة الطبية، ابتسامتها لا يمكن أن تنساها، من الذين يبكون إذا شاهدت حالة حرجة، تؤمن بأن القدر هو من وضعها لتنقذ أرواح الناس.

كانت المرحومة تقوم بأداء مهامها في المستشفى القديم بكعبوب، ورغم الظروف الصعبة إلا أنها فضلت أن تتم تربصها الثاني في مصلحة طب الأطفال، هي من مواليد مدينة شلغوم العيد، تم نقل جثمانها في جو مهيب. أما والدها الطاعن في السن فلم يصدق أن أمله الكبير غادر من غير رجعة، لكنه ظل يردد: “ربي يرحمك يا بنتي”