على بعد 20 كيلومترا عن ولاية بومرداس، وعلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية تقع مدينة كاب جنات، التي تتمتع بمقومات طبيعية جاذبة للسواح الراغبين في الاستجمام بشاطئها، والتمتع بتلك المناظر

الطبيعية التي تدفع بهم لقطع مسافات طويلة ليكتشفوا ما تخفيه “كاب جنات” من جمال رباني آسر.

“كاب جنات”… هي لوحة فنية أبدع فيها الخالق، سحرت العقول وأسرت الألباب، حتى تربع شاطئها وميناءها ومناطقها الخضراء على صدارة المناطق الأكثر جلبا للسواح، فدفعت بالكثيرين إلى قطع مسافات طويلة لاكتشاف سحرها الطبيعي وما يميّز تلك المنطقة هو تواجد مناظر طبيعية تمازج بين زرقة البحر ورماله الذهبية، إضافة إلى عدد من البحيرات ناهيك عن جبالها الشامخة التي تنبع منها مياه معدنية عذبة، يتفق الجميع على نظافتها وصفائها.

شاطئ “كاب جنات” توافد متواصل رغم النقائص

ظل شاطئ “كاب جنات”، نقطة جذب وتوافد كبير للعائلات وحتى للمصطافين الذين وجدوا في الشاطئ راحتهم خاصة مع عودة الأمن للمنطقة، فيسهرون هناك إلى وقت متأخر من الليل، يستمتعون بنسمات البحر ومياهه الدافئة، لكن رغم ذلك يشتكي المصطافون من عدة نقائص خاصة منها ما تعلق بتوفير الإطعام والضروريات التي يجب أن تتوفر في كل شاطئ.

ومعروف عن شاطئ كاب جنات أن أول من يستقبلهم ومنذ الساعات الأولى للصباح، هم السكان المجاورون له الذين يفضلون التمتع بمياه البحر كل صباح، عندما تكون رماله نظيفة ومياهه هادئة، ثم سكان المناطق المجاورة وفي الفترة المسائية يبدأ التوافد من مختلف المناطق.

كما أن زوار كاب جنات لا يغادرون المكان إلا في وقت متأخر من الليل خاصة في فصل الاصطياف الذي نحن على أبوابه، نظرا لتوفر الأمن الذي ساعدهم على الاستمتاع بنسماته وهدوئه.

من جهته، يشتكي بعض المواطنين من النقائص المتعلقة بغياب مرافق الإطعام وبيع الضروريات التي يحتاجها المصطافون، وفي ذات السياق يطالبون ولاية بومرداس بإعادة النظر في قرار منع الخدمات الضرورية بالشواطئ، لاسيما بتلك البعيدة عن المحلات التجارية.

حياة بسيطة وسط مقومات طبيعية هائلة

تنتشر في مدينة كاب جنات الكثير من المنازل القروية المصنوعة من الأحجار الحمراء، فتلمس هناك بساطة الحياة التي تعيشها سكان كاب جنات التي تسترزق من أراضيها الزراعية التي تعد بمثابة مصدر رزق لها، خاصة أنها تتوفر على أنواع مختلفة من الخضر والفواكه، فسكان كاب جنات لا يحتاجون مطلقا إلى شرائها من الخارج، كما يحرص السكان أيضا على تنمية ورعاية الثروة الحيوانية، حيث يهتمون خاصة بالأبقار التي يربونها في بيوتهم ، حيث يحرصون على نظافتها وتوفير الغذاء الجيد لها لتجلب لهم كمية وفيرة من الحليب التي يستعملونها لصناعة الجبن وبيعه بعد ذلك للمحلات التجارية في علب بلاستيكية.

الخبز والنباتات وأسماك الزينة في واجهة المبيعات

تنتشر المنتجات الزراعية بشكل كبير بمنطقة كاب جنات، حيث يعرضها الباعة على واجهات الطريق الذي سلكناه للوصول إليها، وقد أكد لنا “سمير” وهو أحد البائعين أن المنطقة تتوفر على خضر ذات نوعية جيدة إضافة إلى الثوم والبصل.

كما يحرص أطفال وشباب تلك المنطقة على مساعدة أسرهم ببيع ما تحويه أراضيهم من خيرات زراعية أو ما تجيده أمهاتهم من حرف تقليدية ومأكولات، ليقوموا بعرضها على واجهة الطريق للأسر والسواح الذين يزورون منطقتهم خلال فصل الصيف، وهو ما شاهدناه عند مرورنا بالطريق، حيث التقينا بطفلة لا يتجاوز عمرها الـ 10 سنوات كانت تستخدم طرقا خاصة لإقناع المارة بجودة الخبز الذي تبيعه، حيث أكدت أنه مصنوع من الشعير المفيد للصحة، وأرادت أن تبيع كميات كبيرة لنا لتكسب النقود.

“سليم”، هو الآخر أحد الأطفال المتواجدين بالشارع نفسه، وجدناه يعرض أنواعا مختلفة من نباتات الديكور المنزلي، وخلال حديثنا معه لفتت انتباهنا الثقافة الكبيرة التي يمتلكها في مجال العناية بالنباتات، فهو يحرص على تقديم نصائح لزبائنه عن كيفية العناية بالنباتات وطرق الحفاظ عليها من التلف، ليخبرنا أنه اكتسب تلك الخبرة من والده الذي علمّه كيفية زراعة النباتات والعناية بها لتكون ذات نوعية جيدة.

أسماك الميناء تجذب الزوار

يحتوي ميناء كاب جنات على ثروة سمكية كبيرة، حيث يتخذ بعض سكان المنطقة من صيد الأسماك مصدر رزق لهم، خلال زيارتنا لذلك الميناء المشهور وجدنا عددا كبيرا من الباعة يعرضون أنواعا مختلفة من الأسماك، التي لاحظنا الانخفاض الكبير لأسعارها مقارنة بالمناطق الأخرى، وقد أكد أحد بائعي الأسماك أن سبب ذلك الانخفاض هو توفر ثروة سمكية كبيرة ببحر كاب جنات نظرا لنقاء مائه من التلوث، إضافة إلى توفّره على غذاء الأسماك، وعن توافد الزبائن بشكل كبير على هذا الميناء، أرجعه التجار إلى احتوائه على الأسماك الطازجة وبمختلف الأنواع.

زيارة ضريح “العرايس” مقصد الفتيات

من ضمن عادات نساء كاب جنات غير المتزوجات، هو التوجه لضريح العرايس للتبرك به، وهي العادة التي توارثها سكان المنطقة عن أجدادهم وهو، حسبهم، فأل جيد لفك سحر العنوسة أو جلب حظ الزواج، حيث تتوافد على الضريح أعداد هائلة من فتيات المنطقة اللواتي لم يُكتب الزواج لهن بعد، تأكيدا لهن على صدق ما كان يعتقده أجدادهن السابقون، فيما يتعلق بالتبرك بهذا الضريح الذي يعتقدن أنه سيجلب لهن حظا سعيدا في الزواج بعد ممارسة بعض الطقوس مثل ذبح الدجاج أو جمع تراب الضريح بكيس بلاستيكي لجلب حظ الزواج.

العزلة تجعل أسر كاب جنات تتبنى العلاج بالأعشاب

تعيش بعض العائلات القاطنة بكاب جنات مشكلة العزلة، خاصة أن صعوبة التنقل إلى المراكز الإستشفائية، تقف عائقا أمام الوقاية من بعض الأمراض التي تصيبهم، وهو ما يعتبره أغلب سكان كاب جنات أنه من المشاكل الأساسية بالمنطقة، خاصة ما يواجهه المزارعون من مخاطر التعرّض للسعات الثعابين والعقارب المختفية بجحورها في الحقول خلال فترة مزاولتهم لأعمالهم.

هذه الظروف دفعت بتلك الأسر إلى العثور على بديل سريع لحل المشاكل الصحية التي تواجهها عن طريق صناعة الأدوية من الأعشاب الطبيعية، وهناك تبنت الأسر الفكرة ووفرت الحل حيث تقوم القرويات بجمع بعض الأعشاب الخاصة بالعلاج، خاصة منهن اللواتي يمتلكن خبرة واسعة في مجال الطب الشعبي القديم الذي توارثته عن عائلاتهن دفعهن إلى مساعدة أبناء قريتهن للحفاظ على سلامة صحتهم.

وتخصصت في هذا المجال إحدى القرويات، حيث توسعت شهرتها ما جعل سكان منطقتها يستشيرونها في حالة إصابتهم ببعض الأمراض، بعدما أثبتت مختلف أنواع العلاج التي قدمتها لهم فعاليتها في الشفاء، لتشير خلال حديثها إلى أنها تعتمد بشكل كبير على الأعشاب الطبيعية، حيث تقوم بمزجها مع بعض الفواكه والخضروات المفيدة في العلاج من الأمراض، خاصة الثوم الذي يفيد في حماية الجسم من الجراثيم، وتقول العجوز إن علاجها العشبي ساعد على إنقاذ العديد من المزارعين الذين تعرضوا للسعات الثعابين بعد إخراج السمّ من أجسامهم.

سرقة رمال البحر خطر على شاطئ كاب جنات

يلاحظ في بعض الأوقات اصطفاف أعداد هائلة من أكياس الرمل تنقل من شاطئ البحر متوجهة إلى العاصمة، ويقول سكان كاب جنات، إن بعض شباب المنطقة يسرقون تلك الرمال من الشاطئ ليبيعونها بأسعار مرتفعة بالعاصمة إلى التجار ومقاولي البناء، وهم يعتبرونها كعمل أساسي لهم خاصة بعد بقائهم لفترة طويلة في شبح البطالة بتلك المنطقة القروية التي تقل بها مناصب الشغل حسب قوله.

لتبقى كاب جنات منطقة سياحية هامة تمتلك مقومات طبيعية تتطلب تزويدها بمرافق عمومية لتكون قطبا سياحيا طبيعيا هاما في الجزائر.