منذ مدة تغيرت طريقة تعامل الناس فيما بينهم واستبدلوا طباعهم الطيبة بأخرى لا تمد للإنسانية بصلة، فقد طغت الماديات ولم يعد للروحيات مكانا بيننا سوى في قارورات المشروبات الروحية التي أعفيت من الزيادة الضريبية وسعرها أقل بكثير من حليب الأطفال المعلب.

تراجعت المظاهر الطيبة ولم يعد للرحمة طريقا للقلوب ولكن الأخطر من هذا هو الغضب المنتشر في كل مكان ومن غير سبب، فمن منا لم يلحظ أنه إن قصد أي مصلحة عمومية كالبلدية والمستشفى وحاول الاستفسار فإنه إن لم يلق التجاهل فلا بد أنه سيواجه الترفع والنفور وإن اجتهد في السؤال ومحاولة الحصول على إجابة فالويل له من ثورة الغضب التي ستنفجر في وجهه.
حتى في الطريق العام شجارات يومية، سائقون متهورون لا يحترمون قوانين السير ولا يهتمون بالمارة وبالمقابل المشاة تشتد أعصابهم لأتفه الأسباب، فيتوجهون بالشتم لمن يعترض لينتقل النزاع من المركبات إلى الشوارع وكل يدلي دلوه، الجميع غاضبون ومستاؤون ولا تخمد النيران بسهولة.
في الأسواق، داخل المحلات، في المحطات وداخل وسائل النقل نزاعات يومية تستحضر معها كل الكلمات النابية من غير احترام للمسن أو لاختلاف الجنسين وبلا خوف من الرقيب تصل حد المعارك، ومنها ما يستدعي تدخل رجال الأمن.

ما سبب ثورة الغضب التي اشتعلت؟ لعله فيروس جديد يجتاح المجتمع وأول أعراضه الانزعاج، الاستياء ثم الغضب، بلا شك هو الفيروس ذاته الذي أشعل ثورة عام 1988 في الخامس من أكتوبر..

ما هذه الفوضى؟، وما سبب ثورة الغضب التي اشتعلت؟ لعله فيروس جديد يجتاح المجتمع وأول أعراضه الانزعاج، الاستياء ثم الغضب، بلا شك هو الفيروس ذاته الذي أشعل ثورة عام 1988 في الخامس من أكتوبر وراح ضحيته ما يزيد عن 500 جزائري وآلاف المفقودين، وهذا ما لا تريد الجزائر أن تفقده من جديد.
والخامس من أكتوبر هو أيضا اليوم العالمي للأستاذ، هذا الأخير الذي كثيرا ما كان يغضب ويستاء إن تقاعسنا عن العمل أو تخلينا عن مبادئنا وتحلينا بسوء الخلق، ولكنه اليوم يغضب لأجل كرامته المهدورة ومكانته الضائعة وحقوقه المهضومة، وشتان بين غضب الماضي وغضب الحاضر.
ورغم كل ما يكابده الأساتذة من صعاب ومشاق أحنت ظهورهم وكسرت خواطرهم يبقون كبارا بما قدموه وبلّغوه في نبل وعزم، فهؤلاء الوقورون الذين أتشرف بتدريسهم لي ومثابرتهم بضمائر حية عملتني الكثير لهم كل التقدير وصدق الدعاء كل أيام السنة لا يوما واحدا فحسب، ومصادفتي لهم بالطريق أو بأي مصلحة يجعلني أحن لمدرسة الأمس، ويذكرني كم أن من الجزائريين عظماء بعطائهم وأكارم بعزتهم ولن يتمكن الغضب يوما من محو ما بقي عالقا في الذاكرة من نقوشهم الصادقة، ولعل ما يمر به مجتمعنا ليس سوى سحابة صيف أمطرت فيروسا غريبا وإن أصاب الأرض لن يكون غراسا بها، لذا هل هناك سبيل للخلاص من هذا الفيروس الذي يسعى لجعل المواطنين طناجر ضغط متنقلة؟