في السنوات الاخيرة تحولت منطقة المغرب العربي تحديدا المغرب والجزائر الى قبلة لاحتضان وحدات انتاجية لكبار مصنعي السيارات خاصة من اوربا. هذا المشوار بدأه المغرب في اطار مخططه للإقلاع الصناعي، وتبعته الجزائر في مسعاها الى تنويع اقتصادها خارج دائرة قطاع المحروقات. مسعى البلدين لاستقطاب استثمارات هذه الصناعة يسير بسرعتين متفاوتتين في سباق محموم بينهما لإقامة مصانع انتاجية وتركيبية تزيد من القيمة المضافة الصناعية المحلية، وتنعش في نفس الوقت الصادرات خارج القطاعات الاقتصادية الكلاسيكية للبليدين وتمتص طوابير العاطلين. فمن منهما تفوق؟ ومن أخفق؟ وما السبيل المشترك لاقتناص افضل الفرص الاستثمارية في هذا المجال على أمل تحويل المنطقة المغاربية مستقبلا الى قاعدة اقليمية واعدة لصناعة السيارات.

1- التجربة المغربية في صناعة السيارات

صناعة السيارات في المغرب تعود الى عقود باستثمارات كانت ضعيفة في البداية تقتصر في معظمها على مصانع متواضعة للتركيب وتصنيع اجزاء السيارات غير ان إقامة مجموعة رونو نيسان الفرنسية اليابانية في العام 2012 لمصنع لها في مدينة طنجة شمال المغرب بغلاف مالي اجمالي يفوق 1.2 مليار دولار غير ملامح هذا القطاع في المملكة. المصنع المتخصص في صناعة السيارات الاقتصادية المنخفضة التكلفة أنتج السنة المنصرمة نحو 240 ألف سيارة، في انتظار ان تصل قدرته الإنتاجية في الامد القصير الى 400 الف وحدة سنويا. عملاق فرنسي آخرفي مجال صناعة السيارات انضم الى هذا الورش يتعلق الامر بمجموعة بوجو ستروين التي اعلنت في يونيو الماضي عن خطتها لإقامة مصنع للسيارات في مدينة القنيطرة عاصمة الجهة الغربية للمملكة ينتج 200 ألف وحدة سنويا، دائما في صنف السيارات المنخفضة التكلفة باستثمار تناهز قيمته 630 مليون دولار.

هذه لادينامية أحدثت انتعاشا ملحوظا في صادرات المملكة من هذا القطاع، بحيث تُوَجهُ حصة الاسد من مصنع رونو ومستقبلا بوجو ستروين نحو السوق الاوربية والافرقية، إذ بلغت في شتنبر الماضي 35 مليار درهم (3.5 مليار دولار) متجاوزة لاول مرة صادرات الفوسفاط والفلاحة عماد الاقتصاد المغربي، مع طموحات لبلوغ صادرات من صناعة السيارات تناهز 100 مليار درهم (10.2 مليار دولار)  بحلول العام 2020. زيادة في الانتاج وبالتالي التصدير من شانها مضاعفة مساهمة القطاع في الاقتصادي المغربي الى 20 في المائة مستقبلا عوض 16 في المائة حاليا، علما انه سجل في العام 2014 رقم معاملات قدر ب 55 مليار درهم، مما خول إحداث قيمة مضافة قدرت ب 9,4 مليار درهم وتوفير 73 ألف فرصة عمل.

عوامل هذه الطفرة

لا يختلف اثنان في ان السبب من وراء الازدهار الذي تشهده هذه الصناعة في المملكة هو تحسن مناخ الاعمال doing business  انطلاقا من إطار جبائي محفز، ووجود سلسلة ضخمة من المزودين الذين يوفرون قطع الغيار ويضطلعون بمهام المناولة subcontracting ،  دون اغفال المجهود الذي بدلته الدولة على مستوى البنية التحتية المينائية والطرقية والسككية (المركب المينائي طنجة المتوسط مثال حي على ذلك). اضف الى كل ذلك توفر يد عاملة رخيصة تمت مواكبتها بتأسيس معاهد متخصصة للتكوين في مهن صناعة السيارات.هذه العوامل مجتمعة مكنت المغرب حسب تصنيف مكتب الدراسات الاقتصادية البريطاني «أوكسفورد بيزنس غروب» من تبوء الصدارة على مستوى شمال افرقيا والمركز الثاني على مستوى القارة السمراء بعد جنوب افريقيا في مجال صناعة السيارات.

2- التجربة الجزائرية

احدث نجاحات الجزائر في استقطاب كبار مصنعي السيارات الاروبيين  كان التوقيع مطلع هذه السنة على اتفاق لإنشاء مصنع للعلامة الألمانية “فولسفاغن”، لتكون ثاني وحدة إنتاج لعملاق السيارات الألماني في إفريقيا، بعد مصنعه في جنوب إفريقيا، والأولى له في منطقة شمال إفريقيا.

المصنع المرتقب احداثه في ولاية غليزان، من المزمع أن تصل طاقته الإنتاجية إلى 100 ألف سيارة سنويا، بتكلفة ستبلغ 170 مليون دولار، قبل هذا المشروع كانت الجزائر قد اعلنت عن مشروع لإقامة مصنع لمجموعة بوجو ستروين الفرنسية بات في مراحله النهائية حيث من المنتظر ان يدخل مرحلة الإنتاج في العام 2019، على ان تصل قدرته القصوى حوالي 200 ألف سيارة سنويا بحلول 2023. وتضم الجزائر حاليا بالإضافة إلى المشروعين السالفي الذكر مصنع رونو ضواحي وهران الذي ينتج نحو 20 الف وحدة سنويا. ومصنع من علامة مرسيدس- بنز المتواجد بتيارت الخاص بإنتاج موديلات موجهة للأغراض العسكرية وشبه العسكرية. اضافة الى ذلك تجري الحكومة الجزائرية سلسلة مفاوضات مع مصنعين آخرين اوربيين وآسيويين على امل اقناعهم بالقدوم للاستثمار في الجزائر.

مناخ الاستثمار في الجزائر يعيق مسار استقطاب كبار مصنعي السيارات

رغم كون الجزائر نجحت في اقامة بعض الوحدات لصناعة السيارات، إلا أن حجم الانتاج يظل متواضعا مقارنة مع الجارة المغرب، وموجه في أغلبه الى السوق المحلية، ناهيك ان المستثمرين يجدون صعوبة في ايجاد مزودين ملحيين لتصنيع اجزاء السيرات والقيام بمهمات المناولة في هذا القطاع.

تعاني الجزائر ايضا من ضعف على مستوى طبيعة وجودة البنيات التحتية للمواصلات خاصة فيما يتعلق بالموانئ المهيأة للتصدير، في ضوء احصائيات قدرت الخسائر التي تتكبدها الجزائر سنويا جراء تدهور وعجز منشئاتها المينائية بثلاثة ملايير دولار.

بدوره الاطار القانوني المنظم للاستثمار في الجزائر يحد من استقاطبها للمشاريع الصناعية الكبرى في مجال صناعة السيارات بسبب تشبت الحكومة بالقاعدة المعروفة محليا بـــ 51/49 في المائة التي تجبر أي مستثمر اجنبي على تقاسم رأس مال المشروع الاستثماري دون امتلاك اغلبيته التي تؤول للدولة او المقاولات المحلية، ينضاف الى ذلك مشاكل التمويل في ظل قصور النظام المصرفي الجزائري خاصة في السياق الاقتصادي الصعب الذي تمر منه المالية العمومية للدولة بسبب تناقص عائدات قطاع المحروقات.

سباق المغرب والجزائر لاستقطاب مصنعي السيارات.. من هاجس التنافس الى منطق التكامل

مشاريع رونو نيسان وبوجو ستروين للاستقرار في المغرب او الجزائر احدثت تنافسا حادا بين المغرب والجزائر للظفر باستثمارات العملاقين الفرنسيين، لدرجة ان هذا التنافس انزاح في مناسبات عديدة من الاقتصادي الى السياسي، ما جعل باريس بحكم علاقاتها ومصالحها الوطيدة بالجارين تضطر الى امساك العصى من الوسط في توزيع الاستثمارات في هذا القطاع بينهما، وإن غلبت الكفة كما وكيفا لصالح المغرب نظرا لجاذبية مناخه الاستثماري مقارنة مع الجزائر.

بعيدا عن هاجس التنافس القائم بين البلدين والذي يجد تفسيره في المشاكل السياسية القائمة بينهما بسبب نزاع الصحراء، حكمة الاقتصاد تقضي بضرورة العمل سويا بمنطق تكاملي لتحويل المنطقة الى منصة مشتركة تؤسس لصناعة سيارات مغاربية باستثمارات اجنبية تخلق القيمة المضافة وتقلص طوابير العاطلين.