استيقظ الجزائريون، الإثنين، على وقع مستجدات جديدة تشهدها الساحة الوطنية منذ انطلاق حراك 22 فبراير، لكن هاته المرة ليس على إستقالة أحد الباءات الثلاث التي يُطالب الشارع برحيلها، وإنما على أخبار توقيف كبار أغنياء البلاد، الذين كونوا ثروات طائلة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة الذي حكم الجزائر لعشرين عامًا، وكان يطمح إلى المزيد.

وفي منتصف النهار، نقل التلفزيون العمومي، أن فصيلة الأبحاث للدرك الوطني، بالعاصمة، أوقفت الرئيس المدير العام لمجمع سيفيتال، يسعد ربراب والإخوة كونيناف المقربين من عائلة بوتفليقة.

ويتعلق الأمر بكل من رضا، عبد القادر، كريم وطارق، لـ”الاشتباه في تورطهم في إبرام صفقات عمومية مع الدولة دون الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، واستغلال نفوذ الموظفين العموميين للحصول على مزايا غير مستحقة وتحويل عقارات وامتيازات عن مقصدها الامتيازي”.

كما أشار التلفزيون الجزائري الى أن “استدعاءات مقابل محضر سلمت إلى الوزير الأول السابق أحمد أويحيى ووزير المالية محمد لوكال للمثول أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة سيدي أمحمد، لكن تلك الأخبار ظلت مجرد معلومات تناقلتها وسائل الإعلام الوطنية والدولية وتفاعل معها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا وأن الأشخاص المذكورين، يعتبرون من الأوزان الثقيلة والتي لم يتوقع أحد مثولها أمام العدالة.

هذه التطورات أكدت أن جهاز القضاء تحرك فعلًا، بعدما ظل مقيدًا لسنوات وغير قادر على اتخاذ زمام المبادرة إلا في حال ورود مكالمات هاتفية من طرف جهة أو أخرى، وهو ما يؤكده المحامون والقضاة على عظمة لسانهم.

“يتحاسبو قاع”

وطيلة المسيرات الماضية التي شهدها حراك 22 فبراير، كان مطلب استقلالية السلطة القضائية، أحد أهم الشعارات التي رفعها الشارع، لمحاسبة الفاسدين وناهبي أموال الخزينة، وشكلت انتفاضة القضاة ومساعيهم للتحرر من عباءة التعليمات الفوقية، ضربة موجعة للنظام السياسي ودفعًا قويًا للمطالب التي يرفعها الجزائريون لبسط دولة القانون والحق والعدالة الاجتماعية أو ما يصطلح عليه بـ “الجمهورية الجدية”.

ورفع القضاة في وقفاتهم الاحتجاجية، شعارات أبرزها “عدالة مستقلة”، “القضاة أبناء الشعب”، “القانون فوق الجميع”، “القضاء جزء من الشعب” و”القضاة ضد خرق الدستور”.

وجاء تصريح رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، بمتابعة المتورطين في قضايا الفساد ونهب المال العام في الجزائر، وتأكيده في خطاب شهير ألقاه من عاصمة الغرب وهران، أن العدالة التي استرجعت كافة صلاحيتها ستعمل بكل بحرية ودون قيود ولا ضغوطات ولا إملاءات على متابعة كل العصابة التي تورطت في قضايا نهب المال العام، ليشكل دفعًا قويًا لجهاز القضاء لفتح ملفات الفساد والتجاوب مع شعار الشارع “يتحاسبو قاع”.

وبالرغم من تثمين البعض لما قاله القايد صالح، ومساندة كافة القرارات المعلن عنها من طرفه، إلا أن ذلك لم يمنع البعض من التعبير عن مخاوف من إمكانية توظيف القضاء لخدمة مصالح أو أهداف معينة، خصوصًا في ظل التصريحات والتهم المتبادلة ضمن إفرازات الحراك الشعبي الذي انطلق يوم 22 فبراير.

ومن بين هؤلاء، ما قاله عبد الغني بادي، الناشط الحقوقي والسياسي في تصريحات صحفية، الأحد، من أمام محكمة سيدي محمد “نتخوف أن تنتقل العدالة من منطق التسيير عبر هاتف من زرالدة (إقامة الدولة) إلى منطق التسيير عبر هاتف من طاقارا (مقر وزارة الدفاع الوطني)، منبهًا إلى أن هذا التوجه الجديد في حال وقوعه لا يخدم مطالب الحراك الشعبي، ولا استقلالية سلك القضاء الذي يعتبر من بين أهم الركائز الأساسية لكل دول العالم.

وهو نفس الموقف الذي عبر عنه، المحامي طارق مراح، بتأكيده: “نحن كمحامين وحقوقيين نرفض أن تكون العدالة أداة في التجاذبات السياسية والعصب نحن سنعمل على إرساء دعائم دولة القانون وأي استدعاء يجب أن يكون وفق القانون”.

المصدر