ترى فتيحة بن عبو، أستاذة القانون الدستوري في جامعة الجزائر، أن المجلس الدستوري لا يمكنه التدخل في أزمة البرلمان، لأنها قضية ذات طبيعة سياسية وهذا ليس من اختصاصه. وأوضحت بن عبو، في هذا الحوار لـ”الخبر”، أن المشرع في هذا النوع من الأزمات وضع مخرجا وحيدا هو حل البرلمان الموجود بين يدي رئيس الجمهورية.

مكتب المجلس الشعبي الوطني أعلن حالة شغور منصب رئيس المجلس.. هل ما فعله هذا المكتب دستوري وقانوني؟

المادة 10 في النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني تحدد 4 حالات لشغور منصب رئيس المجلس. ما أعرفه أن السيد السعيد بوحجة لا تنطبق عليه أي من هذه الحالات، فهو حي يرزق وفي حالة صحية تسمح له بمزاولة مهامه، أي أنه ليس في حالة عجز كما يدعون، كما أنه ليس في حالة تنافٍ حسب قانون جانفي 2012، وأخيرا هو لم يستقل ولايزال متمسكا بمنصبه.

هل اجتماع مكتب المجلس دون رئيسه قانوني حسب النظام الداخلي للمجلس الشعبي الوطني؟

يستطيع رئيس المجلس تفويض أحد نوابه التسعة عندما يكون في حالة مرض أو سفر بالخارج من أجل رئاسة اجتماع مكتب المجلس، أما في حال وجوده فلا يمكن لمكتب المجلس أن يجتمع دون رئيسه، لأن الرئيس في الأصل هو من يملك صلاحية دعوة المكتب للاجتماع.

لكن هناك في المادة 18 التي تتحدث عن كيفية اجتماع مكتب المجلس عبارة تتحدث عن إمكانية عقد هذا الاجتماع في حالة الضرورة دون ضبط لمعنى هذه الضرورة.. ؟

الضرورة هنا لا يمكن تفسيرها خارج معنى الشغور الحقيقي للمنصب والذي هو محدد، كما قلت سابقا، بـ4 حالات ليس منها ما ينطبق على وضع السيد بوحجة اليوم. أما في حالات المرض أو الغياب لأي مبرر فيمكن لرئيس المجلس تفويض صلاحية دعوة مكتب المجلس للانعقاد لأحد نوابه، وهو على حد علمي لم يفعل ذلك.

كيف رأيت مشهد غلق أبواب المجلس الشعبي الوطني بالسلاسل؟

وضع سلاسل بتلك الطريقة على أبواب المجلس الشعبي الوطني يعطي رسالة سلبية جدا للمواطن، قد تنعكس على سلوكه في التعامل مع المجالس المنتخبة. المواطن اليوم يرى أن من يفترض فيهم وضع القوانين لا يحترمون القانون، وهذا قد يجعله يتصرف بنفس الشكل مع كل ما يرمز للدولة، ما يهدد بنقل الدولة في أي لحظة إلى حالة العصيان المدني.

لكن من الناحية القانونية.. ما رأيك فيما وقع؟

هذا التصرف غير مقبول. لكن ما لم أفهمه في هذه القصة هو كيف سمح السيد بوحجة بهذا الفعل؟ بمعنى أن رئيس المجلس يوجد تحت تصرفه جهاز أمني يسهر على تأمين المجلس وكان يستطيع توجيه الأوامر له بمنع النواب من هذا الفعل، لأن ذلك من صميم صلاحياته.

ألا يدل ذلك على أنه معزول وغير قادر على ممارسة صلاحياته؟

خارج المشكل السياسي الموجود بين رئيس المجلس الشعبي الوطني ونواب الموالاة في الأفالان والأرندي وغيرهما، فإن السيد بوحجة لا يوجد ما يمنعه من التحكم وممارسة صلاحياته الوظيفية داخل المجلس، فهو يتحكم في جهاز تأمين المجلس كما أنه قانونا هو الآمر بالصرف في المجلس.

ينبغي التفريق بين العلاقة الحزبية الموجودة بين بوحجة وحزبه جبهة التحرير الوطني وبين العلاقة التشريعية والقانونية التي أضحت له بعد انتخابه رئيسا للمجلس الشعبي الوطني. عدم رحيل بوحجة بعد دعوة حزبه له بذلك شأن يخصه كمناضل وهو أمر أخلاقي بينه وبين حزبه. بوحجة أضفى عليه الشعب مشروعية بعد أن انتُخب نائبا ثم رئيسا للمجلس، وبذلك أصبح محكوما بقوانين ومحميا بمادة دستورية تنص على أن مدة عهدته هي 5 سنوات، ومادام في منصبه يستطيع ممارسة صلاحياته دون أي تدخل من حزبه.

لماذا لا يقوم بوحجة في هذه الحالة بإخطار المجلس الدستوري حول وجود خرق للقانون في المجلس؟

المجلس الدستوري ليس مختصا في هذه القضية وكذلك مجلس الدولة ليس مختصا بدوره، فالأمر يتعلق بقوانين برلمانية وهي ليست قوانين إدارية. المشكل في البرلمان سياسي وليس قانونيا حتى يتدخل المجلس الدستوري الذي ليس من صلاحياته حل المشاكل السياسية. المشرع وضع حلا وحيدا لإنهاء الصراعات السياسية عبر اللجوء إلى حل البرلمان. بمعنى أن المشكل السياسي يحله الشعب وهذا هو المنطقي.

مكتب المجلس يقول بوجود حالة شغور لمنصب رئيس المجلس وينتظر بناء على ذلك أن يتم انتخاب رئيس جديد.. كيف يمكن التصرف مع مجلس برئيسين؟

هذا الاجتماع كما قلت ليس له أي أساس قانوني. وفي حال التمادي في عفس القانون، سنكون ببساطة أمام رئيس للمجلس يمتلك شرعية ممثلا في السيد السعيد بوحجة وآخر ليس له شرعية. سيكون المجلس الشعبي الوطني قد فقد شرعيته بعد أن ضيع، للأسف، مصداقيته بالمقاطعة الواسعة للانتخابات التشريعية في 2017.

بناء على ما يجري، هل يمكن القول إن هناك ثغرة قانونية في النظام الداخلي للمجلس لم تتحسب لوجود حالة رفض نواب الأغلبية العمل مع رئيس المجلس؟

هذا حال كل المنتخبين وأولهم رئيس الجمهورية، لديهم عهدة انتخابية محددة دستورا عليهم إكمالها. هذا ما نسميه بحماية العهدة. لكن السؤال الذي أطرحه هو ما هي الغاية السياسية التي يريدونها من رحيل بوحجة؟ نحن لسنا أمام رئيس المجلس الشعبي الوطني لسنة 1992 الذي كانت له صلاحيات هامة. رئيس المجلس ليس له دور في عملية الخلافة في حالة وفاة أو عجز رئيس الجمهورية. يمكن وصف منصب رئيس المجلس بأنه مجرد مسير للجلسات البرلمانية، يعطي الكلمة لنواب أو يهتم ببعض الشؤون الإدارية الخاصة بالمجلس تحديدا. ربما الحالة الوحيدة التي يكون له فيها دور، وهو رمزي على كل حال، أن يرأس البرلمان مجتمعا بغرفتيه في حالة شغور منصب رئيس الجمهورية وتولي رئيس مجلس الأمة مهمة الرئاسة بالنيابة.

لكن نحن اليوم في حالة انسداد، لأن أغلبية النواب لا يريدون العمل مع رئيس المجلس. ما هو المخرج الممكن؟

الحل الوحيد الذي أراه اليوم يوجد بين أيدي رئيس الجمهورية، وهو حل البرلمان. نحن أمام مشكل سياسي والحل ينبغي أن يكون سياسيا بإعادة انتخاب المجلس الشعبي الوطني من جديد. هذا الحل بسيط فهو يحتاج فقط لاستشارة شكلية لرئيسي المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة ورئيس المجلس الدستوري والوزير الأول، كما أن تنظيم انتخابات تشريعية لا يعرقل السير العادي لباقي المواعيد الانتخابية.

هل أفهم من كلامك أن تنظيم انتخابات تشريعية جديدة لا يعيق الرئاسيات المحددة ربيع العام المقبل؟

لا يوجد تماما ما يعيق. بالعكس، أنا أقترح تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية في يوم واحد تخفيفا على المواطنين من جهة وتقليلا من المصاريف من جهة أخرى. ما أريد قوله إنه لا يوجد ما يمنع من الناحية الدستورية والقانونية تنظيم انتخابات تشريعية في هذا الوقت، ولا يستدعي ذلك تأجيل الرئاسيات.