تواجه الشركات الاقتصادية العمومية والخاصة على السواء سيناريو أشبه بالذي عرفته المؤسسات التابعة للقطاع العام في سنوات التسعينات من القرن الماضي، حين فُرض على الجزائر تسريح الآلاف من العمال بسبب الأزمة الاقتصادية وضغوط الهيئات المالية العالمية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

وتيرة تسريح العمال لدى الشركات الاقتصادية تتسارع في الأشهر القليلة الماضية، لتكشف عن معدلات مخيفة وأرقام مرعبة عن عدد العمال الذين سيجدون أنفسهم مضطرين للإحالة نحو البطالة، في ظل استمرار الظروف الاقتصادية التي جسدت الانعكاسات الواقعية لتهاوي أسعار برميل النفط في السوق العالمية منذ منتصف 2014، قبل أن تُتَرجم على صعيد جملة الإجراءات والتدابير المتتابعة التي تسعى السلطات العمومية من خلالها معالجة الوضع وتسكين أعراضه.

نداءات الاستغاثة التي أطلقتها الشركات الاقتصادية التابعة للقطاع الخاص بالمقام الأول ما فتئت تحذّر منذ حين بخطورة الوضع الذي يُحيل غالبيتهم نحو التوقف عن النشاط ويدفعهم إلى شفا إعلان الإفلاس، وبالتالي سقوط برنامج استمر لسنوات في الماء من أجل إطلاق محيط للمقاولاتية وإنشاء نسيج اقتصادي وصناعي أساسا لتعويض التبعية الكاملة لقطاع الريع النفطي.

وعلى هذا الأساس، انتقد المتعاملون الاقتصاديون منذ بداية التدابير الحكومية هذه التوجهات، بحكم أنّها أخذت بعين الاعتبار أساسا ضرورات تقليص فاتورة الواردات الوطنية وتقليل عجز الميزانية إثر استمرار تراجع أسعار المحروقات في البورصة العالمية، وتعالت أصوات هؤلاء المتعاملين الاقتصاديين المنادية بأهمية التفكير في مصير المئات من المؤسسات منذ لجوء الحكومة إلى غلق باب الاستيراد وتحديد قائمة تضم ما يزيد عن 900 سلعة ممنوعة من الاستيراد.

وتواصلت صعوبات المؤسسات الاقتصادية العمومية والخاصة إثر ذلك، وإن كانت الفئة الأولى لطالما استفادت من دعم الخزينة العمومية لإنقاذها من إشهار الافلاس وإسدال الستار، المهمة التي أضحت الخزينة غير قادرة بسبب عجزها على مواصلة أدائها لتدفع المؤسسات إلى البحث عن آليات لتمويل أخرى، لعلّ الاستدانة من الهيئات الأجنبية أبرزها، وبالمقابل فإنّ الحكومة فضّلت مع ذلك الاستعانة بأسلوب آخر لتقليص كتلة الأجور وتخفيض عبئها على الخزينة، من خلال عدم توظيف عمال جدد أو تجديد الموظفين المحالين على التقاعد.

وموازاة مع ذلك، تلجأ الحكومة منذ أشهر إلى توقيف استيراد الهياكل والتجهيزات (سي كا دي) الموجهة لمصانع تركيب السيارات وللأجهزة الإلكترونية والكهرومنزلية، على الرغم من أنّها كانت بمثابة البذرة التي رعتها السلطة عبر إحاطاتها بجملة التحفيزات والإعفاءات والمزايا، لتتفطن في الأخير إلى حقيقة أنّ هذه الشركات التي توظف آلاف العمال لم تقدم القيمة المضافة، بل أدت إلى ارتفاع مستويات فاتورة الواردات الوطنية دون أدنى مقابل دخل حساب الخزينة في شكل رسوم جمركية.

تراجع الطلب العمومية وتجميد العديد من المشاريع والبرامج المقررة منذ العديد من الأشهر، سيما في قطاع البناء والأشغال العمومية بسبب عدم القدرة على تغطية النفقات العمومية، دفع العديد من شركات المقاولاتية إلى التوقف عن النشاط، وبالتالي إحالة المئات من العمال المشتغلين في القطاع إلى البطالة الإجبارية، ما يُنبئ بانفجار الوضع وخلق أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية ستواجه الرئيس المقبل للبلاد.

المصدر