بخروج الجزائريين، الجمعة، بمئات الآلاف في مسيرات سلمية في جميع ولايات الجمهورية، تأكدت الرؤية بأن الجزائر حسب مراقبين، تعيش “أزمة سياسية” حقيقية يزيدها شح الحلول وقلة الآليات القانونية تعقيدا، في وقت تتسارع فيه الأحداث لتجعل من الشارع والمجلس الدستوري فقط اللاعبين الأساسيين والوحيدين في المستقبل القريب جدا.

أبانت مسيرات مئات آلاف الجزائريين الجمعة، درجة الإصرار والتمسك برفض ترشح الرئيس بوتفليقة لعهدة خامسة، كما أظهر زحف المحامين في اتجاه المجلس الدستوري ورغبتهم في تقديم عريضة رفض “الخامسة” وإحراج رئيس المجلس الدستوري وأعضائه، أن القضية أصبحت محصورة بين طرفين فقط الأول يمثله الشارع والثاني يمثله المجلس الدستوري، خاصة بعد أن أصبح مصير الانتخابات المزمعة في 18 أفريل المقبل على كف عفريت برأي مراقبين، حتى لا يقال إنها أصبحت في “خبر كان”، في ظل إجماع شعبي وحزبي على أن الظروف السياسية التي تمر بها البلاد تجعل من المناخ غير مناسب ولا مهيأ لتنظيم انتخابات رئاسية، الأمر الذي عبرت عنه العديد من التشكيلات السياسية بمطالبتها بتأجيل الانتخابات.

هذه الوضعية المتأزمة بحاجة إلى حلول دستورية أو مخارج سياسية عاجلة، ذلك لأن عملية هدر الوقت، حسب أوساط ملاحظة، قد تجعل ما هو ممكنا اليوم مستحيلا غدا لعدة اعتبارات أولها أن المسيرات السلمية أو الحراك الاجتماعي يطالب بعدم ترشح الرئيس لعهدة خامسة وفقط، ولا يملي عليه أي شروط أخرى كما لا يقترح طريقة ترتيب المرحلة القادمة وإن كان الشارع يبرر مطلبه الوحيد بالوضع الصحي للرئيس، هذا الوضع الذي جعل إقامته “القصيرة” في سويسرا من أجل الفحص الطبي الروتيني بحسب بيان الرئاسة، تتمدد وتدخل غدا يومها الخامس عشر، إلا أن هدر الوقت وعدم الإصغاء قد يخرج المطالب عن مجال السيطرة.

ثاني عامل يفرض إيجاد مخرج سريع، يتمثل في أن المسيرات السلمية، تأخذ مسار كرة الثلج وتعدادها يتزايد مع تزايد الإصرار على محاولة الالتفاف على مطلب رفض العهدة الخامسة. ثالث عامل يستوجب التحرك عاجلا، حسب ملاحظين، هو رفض الشارع لتراجع وتخلي جبهة الموالاة الداعمة للخامسة عن مصطلح “الخامسة” ومحاولة تبني ممثليها في “بلاطوهات” التلفزيونات مصطلحات جديدة لتفسير المهلة التي طلبها الرئيس لتنظيم ندوة التوافق الوطني والإصلاح السياسي فيما يشبه المرحلة الانتقالية واعتبروها محاولة للالتفاف على المطلب الرئيسي للاعب الأساسي والفاعل الوحيد في المرحلة الحالية وهو الشارع.

“الأزمة السياسية” التي تمر بها الجزائر لا تجد مخرجا لها دستوريا سوى مادتين، برأي خبراء دستوريين، الأولى تخص المادة 102 المتعلقة بالمانع الصحي وفي هذه الحالة يعلن الشغور بالاستقالة وعبر المجلس الدستوري، مما يعني أن ترتيب المرحلة القادمة يتم دون رعاية الرئيس بوتفليقة، أو المادة 107 المتعلقة بإعلان الحالة الاستثنائيّة والتي تقتضي أن تكون “البلاد مهدّدة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسّساتها الدّستوريّة أو استقلالها أو سلامة ترابها”.

ولا يتّخذ هذا الإجراء إلاّ بعد استشارة رئيس مجلس الأمة، ورئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس المجلس  الدّستوري، والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن ومجلس الوزراء.

وتخوّل الحالة الاستثنائيّة لرئيس الجمهوريّة أن يتّخذ الإجراءات الاستثنائيّة التي تستوجبها المحافظة على استقلال الأمّة والمؤسّسات الدّستوريّة، وفي هذه الحالة يمكن تأجيل الرئاسيات، فأي السيناريوهات القابلة للتنفيذ عاجلا حتى تكون مخرجا للأزمة الحالية، خاصة أن المجلس الدستوري استهلك نصف مهلة الفصل في ملفات المترشحين، ولم يتبق أمامه سوى 4 أيام لإصدار حكمه في حق المترشحين للترشح.