روى الكاتب والإعلامي الجزائري عبد العزيز بوباكير بعض المقتطفات التاريخية عن زيارة أمير الشعراء أحمد شوقي للجزائر، التي أقام فيها بعض الوقت بنصيحة من الأطباء، هذا الوقت الذي كان كافيا لشوقي ليخرج ببعض الإنطباعات والأوصاف عن الجزائر..

غير أن هذه الإنطباعات لم تمر مرور الكرام فيما بعد، خصوصا بعد وفاته التي كانت سنة بعد زيارته للجزائر، حيث جاءه العتاب من الشيخ عبد الحميد بن باديس.

طالعوا التفاصيل كاملة أدنا مقال الإعلامي عبد العزيز بوباكير المنشور عبر صفحته على فيسبوك، والذي نعيد نشره كاملا من المصدر:

المسخ اللغوي

بقلم: عبد العزيز بوباكير
قدّر لأمير الشعراء، أحمد شوقي، أن يزور الجزائر بعد أن نصحه أطباؤه أن يقضي فترة نقاهة تحت سماء إفريقيا الدافئة، بعدما تماثل للشفاء من مرض شديد كان فيه ” بين الحياة والموت”. وجاء شوقي إلى الجزائر، وفضّلها على غيرها من البلدان لأنها بلد عربي كان الشاعر يأمل أن ينسى فيه بعض حنينه إلى موطنه وإلى ديوان الخديوي، بعد أن منعه من العودة إلى مصر، ولأنه كان أيضا يعتقد أن الجزائر شبيهة ببيئته التي نشأ فيها. وقد أقام شوقي أربعين يوما في الجزائر العاصمة للاستشفاء. وانبهر لجمالها وتناغم عمرانها وبساطة طبائع أهلها، واندهش أكثر من خليط اللغات واللهجات المنتشرة فيها، وقال عنها قولته الشهيرة:”ولا عيب فيها سوى أنها مسخت مسخا. فقد عهدت مسّاح الأحذية يستنكف النطق بالعربية، وإذا خاطبته بها لا يجيبك إلا بالفرنسية”.
ويخطئ من يظن أن سبب اندهاش أحمد شوقي هو جهله باللغة الفرنسية، فهو كان يحذق، بالإضافة إلى العربية، العديد من اللغات منها الفرنسية والتركية. ونشأ في بيئة أرستقراطية غنية متفتحة، كما كان مُلمّا بالآداب الأوروبية وثقافات الأمم الأخرى.
وبعد سنة من زيارته إلى الجزائر ودّع أمير الشعراء هذا العالم، “وسقطت غيتارة الشعر من يده”، كما قال الناقد شوقي ضيف، فندبته الأمة العربية بدموع حرّى، وتبارى الشعراء في رثائه، ومنهم بشارة الخوري وصديقه خليل مطران.

واليوم، لو عاد شوقي من عالم الغيب إلى الجزائر بعد أكثر من قرن من زيارته لها لاعتذر لمسّاح الأحذية، ولو عاد ابن باديس من عالم الغيب بعد أكثر من سبعين سنة على رحيله لاعتذر لشوقي بعد أن لامه على استدلاله على حالة الجزائر آنذاك بمسّاح الأحذية..

ونسي الناس ما قاله شوقي عن لغة الجزائريين وخليط لهجاتهم إلا الشيخ عبد الحميد بن باديس. فبمناسبة حفل نظّم في نادي الترقي تخليدا لذكرى الشاعرين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ألقى ابن باديس خطبة جميلة تحدث فيها بأسى ولوعة عن شاعري الأمة العظيمين، فأبدى إعجابه بشوقي، شاعر العرب والأحداث الإسلامية الكبرى، الذي عاش عيشة الترف والنعمة، ورثى لمأساة حافظ إبراهيم، شاعر الأخلاق والوطنية والاجتماع، الذي عانى من البؤس والفاقة. ثم ردّ ابن باديس على قولة شوقي آنفة الذكر، متعجبا من استدلاله على حالة أمة بمساح الأحذية منها! ومما قاله ابن باديس في عزة نفس، لكن بعتاب رقيق: “ولا يجمل بي أن أزيد في موقفي هنا على هذا، إلا أن فقيدنا العزيز لو رأى من عالم الغيب حفلنا هذا لكان له في الجزائر رأي آخر، ولعلم أن الأمة التي صبغها الإسلام، وهو صبغة الله، وأنجبتها العرب، وهي أمة التاريخ، وأنبتتها الجزائر، وهي العاتية على الرومان والفاندال لا تستطيع ولن تستطيع أن تمسخها الأيام ونوائب الأيام”.
واليوم، لو عاد شوقي من عالم الغيب إلى الجزائر بعد أكثر من قرن من زيارته لها لاعتذر لمسّاح الأحذية، ولو عاد ابن باديس من عالم الغيب بعد أكثر من سبعين سنة على رحيله لاعتذر لشوقي بعد أن لامه على استدلاله على حالة الجزائر آنذاك بمسّاح الأحذية.
نحن اليوم نعيش مسخا لغويا مرعبا طال الأسرة والشارع ومؤسسات الدولة وحتى نخبتنا الهزيلة التي كان يفترض أن ترتبط، على حد قول ابن باديس بشعبها وهويتها”ارتباط القلب واللسان وارتباط العقل والتفكير والتقدير”. فهذه النخبة لم تنهض بأمازيغيتها، ولم ترقّ عربيتها، ولم تستفد من غنى الإرث الإنساني. فتراها مثل الممسوخ يرطن بخليط من اللغات شبيه بذلك الخليط الذي ساد موانئ الجزائر في عهد القراصنة. وهي،حقا، مثل ماسح الأحذية المغبون تستنكف النطق بلغتها، وتحتقر شعبها، وتدوس على مقومات هويتها، وتقضي وقتها في مهاترات عقيمة، مفاضلة بين لغة فولتير ولغة شكسبير. فبدل أن تبحث هذه النخبة عن أنجع الطرق لإخراج المدرسة من نكبتها، وأن تفكر في بيداغوجية حديثة منفتحة على حقائق العالم المعاصر، متكيفة مع تحديات العولمة، ومستوعبة للقيم العالمية والعلم الحديث، قامت بما عجز عنه الاستعمار ونوائب الأيام، وهو استبدال لغة شعب بلغة شعب آخر. وهذا هو المسخ اللغوي!
وبلغ هذا المسخ مبلغه إلى حد أن الرئيس بوتفليقة، الذي تعود الحديث إلى شعبه بغير لغته فانتصر لأمير الشعر على زعيم الإصلاح، حين تطرق إلى هجين لغة الجزائريين في العديد من خطبه.
وأتمثل الآن وقد عادت آلة الزمن بشوقي وابن باديس من عالم الغيب كم ستكون دهشتهما وهول صدمتهما من رؤية الجزائري وقد بلغ به المسخ إلى حد أنه أصبح عاجزا عن النطق بأيّة لغة، وإذا خاطبته بلغة البشر لا يجيبك إلا بلغة الإشارات!
وأخشى ما أخشاه هو أن يصدق قول صديقي الشاعر السوداني الكبير المرحوم جيلي عبد الرحمن، الذي أمضى فترة طويلة مدرسا بجامعة الجزائر، وكان يندهش مثل شوقي لهجين لغة الجزائريين، فكان يقول لي متألما مازحا:”إن الله لما خلق الشعوب علّمها اللغات واللهجات والأسماء كلّها، وحين وصل إلى الجزائريين قال لهم تحدثوا كما تشاؤون”.