أثار تفعيل لجان المصالحة أو التسوية بالتراضي لقضايا المتعاملين الاقصاديين الذين سيدفعون من الآن فصاعدا غرامات مالية مقابل استرجاع بضائعهم المحجوزة، العديد من التساؤلات عن مدى احترام مبدإ المساواة بين المتعاملين، حيث أن هذا الإجراء سيخرج إدارة الجمارك من أروقة العدالة وينعش الخزينة العمومية، غير أن المواطن يبقى الحلقة الضعيفة في القرار، إذ قد يدفع ثمن الفاتورة بشكل غير مباشر. 

خبراء يشددون: ينبغي إسناد المهمة لإطارات نظيفة وغير متورطة في الفساد

ثمن المختصون في مجال الاقتصاد قرار إدارة الجمارك بتفعيل لجان المصالحة أو التسوية بالتراضي لملفات البضائع المحجوزة، مشترطين إدارة ”نظيفة ” للإشراف على العملية حتى لا يدفع المواطن ثمن الغرامة المالية التي يسددها المتعامل الاقتصادي باقتناء السلعة بسعر مضاعف.

أكد، اليوم، مدير عام مكتب الجزائر للاستشارات الدولية، الخبير مبارك سراي، أن تفعيل عمل لجان التسوية بالتراضي، أو ما يسمى بلجان المصالحة التي اعتمدها القانون الجديد للجمارك، سيجنب العديد من المتعاملين الاقتصاديين السجن المحقق بسبب المخالفات التي ارتكبوها عن طريق إقرار غرامة مالية تدفع لمصالح الجمارك نظير استرجاع حجوزاتهم، إذا لم تكن تمس بأمن وسلامة المستهلك.

ورحّب المتحدث، في اتصال مع ”البلاد”، بإعادة الاعتبار لهذا الإجراء الذي سيسمح للتجار والمستوردين بتجاوز عقبة أروقة العدالة، والتعرض لعقوبة الحرمان من السجل التجاري بسبب خطأ غير متعمد يتعلق بجهل القوانين السارية، أو خطأ مقصود مبني على التحايل أو التصريح الكاذب، لكن عندما تكون السلعة ليست ضمن المحظورات أو البضائع المضرة بالصحة العمومية، هنا يصبح دفع غرامة مالية أنسب للجميع، سواء  بالنسبة للمتعامل نفسه أو لمصالح الجمارك وكلاهما رابح، لأن الملفات عندما تصل إلى القضاء ـ يتابع المصدرـ يستغرق الفصل فيها سنوات طويلة ”وأنا لا أنصح أي متعامل بالتوجه إلى العدالة عندما يتم حجز بضاعته، حتى وإن كان صاحب حق، لاسيما وأنه سيضطر إلى دفع مقابل مالي عن كل يوم يمر عن تاريخ بداية حجز البضاعة في الميناء”.

ويرى سراي، أن إنشاء لجان مصالحة مختصة في تسوية ملفات السلع المحجوزة عن طريق دفع الغرامة أمر جد إيجابي سيعمل على خلق جو من الثقة بين المتعامل الاقتصادي والإدارة الجمركية واستراجاع الملايير الضائعة بسبب تعطل الملفات على مستوى الإدارة، فضلا عن كونه يدر السيولة للخزينة العمومية، ويمكن من ربح الوقت، غير أن نجاح عمل هذه اللجان يبقى مرهون بكفاءة تشكيلتها التي ينبغي أن تكون متحكمة في القوانين التي تضبط سير العملية حتى لا تكون سببا في عرقلتها.

من جهته، أبدى الخبير الاقتصادي، اسماعيل لالماس، نفس وجهة نظر سراي فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة، حيث نبّه إلى وجوب أن تكون إدارة الجمارك مهيأة لآداء هذه المهمة التي ينبغي أن تسند إلى أشخاص لم يتورطوا في الفساد ضمانا لمعالجة الملفات على أساس العدل والإنصاف بين كافة الحالات، وإلا فكل شيء سيسقط في الماء، وتصبح المسائل تسوى عن طريق الرشوة، أو ما شابه ذلك.

في السياق نفسه، قال سراي إن مرافقة إدارة ”نظيفة” لهذا الإجراء، سيعمل عى تقليص الضغط على القضاء، الذي يعكف على دراسة العديد من ملفات الفساد حاليا، علاوة عن تفادي كساد السلع في الموانيء، ومن إيجابياته أيضا حمل المتعاملين على تطبيق القانون وتجنيب أنفسهم الدخول في دوامة الغرامات المالية، التي ”يدفع فاتورتها المواطن”، بعد أن يصبح مجبرا على اقتناء البضاعة المسترجعة من قبل المتعامل بسعر أعلى من ذلك المحدد قبل دفع الغرامة، وبالتالي يصبح المستهلك هو الضحية الأولى لهذا الإجراء.

مصدر مسؤول لـ”البلاد”: إدارة الجمارك تتخلص من ”أعباء” مصاريف القضاء والمزاد العلني

أكد مصدر مسؤول من المديرية العامة للجمارك لـ”البلاد”، أن الهدف الرئيسي من تفعيل لجان المصالحة التي نص عليها القانون الجديد للجمارك الصادر في2017. وقال إن قضايا المنازعات مع المتعاملين الاقتصاديين المخالفين للتشريعات تعد بالآلاف، وأضحت تثقل كاهل إدارة الجمارك التي تدفع أموالا كثيرة للمحامين لاسترداد حقوقها، كما أنها لا تجني أي شيء من دخول المتعامل السجن لتوقيف نشاطه، إذا لم تقم بعملها كإدارة جبائية، وهو تحصيل الرسوم الجمركية.

وأضاف المصدر إلى أنه عوض أن تنتظر الإدارة سنوات طويلة قبل أن يقول كلمته في القضية، فإن حل لجان المصالحــــة سيمكن من تحقيق الهدف عن طريق تسليط غرامة مالية أقل مما يفرضه القضاء كتعويض مالي، كما أن الإجراء يكون أنفع للخزينة العمومية، موضحا أن قيمة الغرامة تحدد وفقا لقيمة السلعة في السوق الداخلية، مشيرا إلى أن مثل هذا الإجراء معمول به في كافة دول العالم.