دخلت إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا في معادلة صعبة، في ظل تخمة المعروض العالمي، لا سيما الغاز الروسي الرخيص، فضلا عن دخول منافسين آخرين لتصدير الغاز، الأمر الذي يزيد من مأزق الجزائر الباحثة عن زيادة مواردها المالية لمواجهة تراجع عائدات النفط.

ونقلت وكالة بلومبيرغ الأميركية، الأحد، عن سعيد أحمد هاشمي مازغي، نائب مدير التسويق في شركة سوناطراك الجزائرية، قوله إن العملاء الأوروبيين “قللوا بشكل كبير طلبهم” على الغاز الجزائري، مشيرا إلى أن من المتوقع انخفاض الصادرات إلى أوروبا بنسبة 25 في المائة بنهاية العام الجاري، مقارنة بمستويات 2018.

وأرجع مازغي تراجع الطلب على الغاز الجزائري إلى تخمة المعروض، لا سيما من الغاز الروسي الرخيص، والذي قابله تباطؤ في الطلب بسبب دفء الشتاء. وأضحت الصادرات من الولايات المتحدة وأستراليا وروسيا تغمر السوق الأوروبية وتؤدي إلى انخفاض الأسعار، مما قلل من القدرة التنافسية للغاز الجزائري الذي يصدّر عبر أنابيب.

وتوقع مازغي أن “يكون عام 2020 صعبا أيضا”. وكانت الجزائر قد صدّرت، العام الماضي، 51 مليار متر مكعب من الغاز، 35 بالمائة نحو إيطاليا، و31 في المائة نحو إسبانيا، و13 بالمائة نحو البرتغال، و8 في المائة فقط نحو فرنسا، في حين تم تصدير 75% عبر الأنابيب الثلاثة التي تربط الجزائر بإيطاليا وإسبانيا، وفق أرقام “سوناطراك”.

وقال نبيل جودار، مدير الإحصاء في الوكالة الجزائرية لتثمين موارد المحروقات (سلطة ضبط إنتاج وبيع الجزائر من النفط والغاز)، إن “الأرقام الأولية تؤكد توجه مبيعات الغاز نحو التراجع، خاصة عبر عقود الأنابيب نحو إيطاليا وإسبانيا، بنسب قد تصل إلى 30 بالمائة بنهاية العام الحالي، عن مستويات العام الماضي”.

وأضاف جودار، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن “سوناطراك نجحت في رفع مبيعات الغاز في الأسواق الفورية بنسبة 25 في المائة منذ بداية العام، ما يسمح لها بامتصاص جزء من تراجع مبيعات العقود عبر الأنابيب”.

ودخلت الجزائر، بحلول العام الجاري، في مرحلة تجديد عقود الغاز مع شركائها التقليديين، بعد وصول أغلب العقود إلى نهاية آجالها مع انتهاء 2019، وكانت البداية في 16 مايو/أيار الماضي مع شركة “إيني” الإيطالية، لمدة 10 سنوات اعتبارا من 2020، بكميات تتراوح بين 9 مليارات و10 مليارات متر مكعب سنوياً. رغم أنها كمية أقل مما كانت عليه سابقا بالنظر إلى تراجع نمو الاقتصاد الإيطالي.

ثم اتفق الطرف الجزائري مع نظيره البرتغالي “غالب” في 11 يونيو/حزيران، على تجديد عقد تصدير الغاز لعشر سنوات أخرى اعتبارا من العام المقبل، بكميات تصل إلى 2.5 مليار متر مكعب سنويا. وجاء الدور نهاية يونيو/حزيران، إلى شركة “إينال” الإيطالية التي ستزودها “سوناطراك” بـ 3 مليارات متر مكعب سنويا، لمدة 8 سنوات اعتباراً من 2020، ثم مع “اونجي” الفرنسية منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.

ويضاف إلى هذه العقود، تلك التي جددت العام الماضي مع كل من “بوتاش” التركية، التي ستزودها “سوناطراك” بكميات من الغاز تقدر بـ 5 مليارات متر مكعب سنوياً لمدة 5 أعوام.

كما جددت “سوناطراك” في أغسطس/آب 2018 عقد توريد الغاز إلى إسبانيا من خلال شريكها “ناتيرجي”، بكميات سنوية تقدر بـ 8 مليارات متر مكعب على امتداد 9 سنوات.

بينما ينتظر تجديد العقود مع شركتي “توتال” و”سويز” الفرنسيتين، اللتين تعثّرت المفاوضات بينهما وبين “سوناطراك” بسبب مدة العقود التي تريدها فرنسا 5 سنوات قابلة للتجديد، في حين تتمسك الجزائر بـ 10 سنوات على الأقل.

ويأتي تجديد عقود الغاز بين الجزائر وأوروبا في ظروف وشروط مغايرة، فرضها منطق السوق، في ظل منافسة شرسة من الغاز الروسي ودخول منافسين آخرين من الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا والنرويج.

وقال مراد برور، خبير الطاقة الجزائري ومدير مكتب ايمرجي للدراسات النفطية، لـ”العربي الجديد”، إن “تجديد العقود بالنسبة للجزائر يعد نجاحا، في ظل دخول منافسين جدد للسوق الأوروبية”. وأضاف أن “الجزائر مطالبة، للبقاء في المنافسة، بمراجعة السعر الذي تصدّر به، والذي يعتبر مرتفعا بنحو دولارين للمليون وحدة حرارية عن بعض المنافسين”.

وتوقّع أن “تواجه الجزائر إشكالية أخرى وهي ارتفاع الطلب الداخلي وسط استقرار الإنتاج، ما قد يؤثر على التزاماتها الخارجية، إذ توجه ما بين 35 و40 بالمائة من الإنتاج لسد الطلب الداخلي، في وقت تحوز الجزائر طاقات أخرى كالطاقة الشمسية والغاز الصخري، لايزال استغلالها حبيس خطابات الحكومات المتعاقبة”.

بدوره، قال عبد المجيد عطار، نائب رئيس الجمعية الجزائرية لصناعة الغاز والمدير العام الأسبق لشركة سوناطراك، إن “عهد العقود طويلة الأمد انتهى من دون رجعة”، مشيرا في تصريح لـ”العربي الجديد” إلى احتدام المنافسة عالميا بدخول الولايات المتحدة قائمة كبار مصدّري الغاز مع قطر وأستراليا. كما يتوقع دخول 4 دول أفريقية قائمة المصدرين مستقبلا وهي موريتانيا وموزمبيق والسنغال وتنزانيا. وأضاف عطار أن هذه المعطيات دفعت بالعملاق الروسي “غاز بروم” أكبر مزود للقارة الأوروبية إلى رفع إنتاجه للإبقاء على هيمنتهالعربي الجديد