قد تكون سمعت كثيرًا عن مخاطر التدخين على الصحة، ولكن هل تصدق أن كسلك وعدم ممارستك للرياضة أخطر من التدخين نفسه؟ الأمر يبدو غريبًا حقًّا، إلا أنّه ذو مصداقية علميّة كبيرة؛ إذ وصل العلماء إلى هذه النتيجة الصادمة بعد دراسة حديثة موسّعة شملت أكثر من 120 ألف حالة مدّة استمرّت 24 عامًا.

«مرض قاتل».. نتائج الدراسة المذهلة تغيّر نظرتنا للكسل إلى الأبد

«مفاجأة للغاية»، ربما سيكون هذا وصفك للنتائج، ولكنك لست وحدك، فالدكتور وائل جابر، الطبيب بمستشفى كليفلاند كليني، ومؤلّف الدراسة مال إلى ذلك الوصف أيضًا في تعليقه على الدراسة التي أجراها المستشفى الأمريكي، ولم تتوقّف النتائج عند هذا الحد؛ بل كشفت أنّ الكسل وعدم ممارسة الرياضة قد يكون أسوأ على صحتك من الإصابة بمرض السُكري، وأمراض القلب.

يضيف د. جابر أنّك عندما تفقد لياقتك البدنيّة فهذا يدقّ ناقوس خطر بشأن صحتك وحياتك، أشد من الإصابة بضغط الدم، أو السكري، أو أن تكون مُدخنًا ، لافتًا في تصريحات صحافية إلى ضرورة تنبيه العامّة بتلك المخاطر، باعتبار أن غياب اللياقة البدنيّة هو أحد مؤشّرات الخطر على جسم الإنسان، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين: «إن لم يكن أقوى من تلك العوامل» بحسب د. جابر، الذي أكّد ضرورة اعتبار الكسل «مرضًا» يمكن علاجه بالتمارين، مُشددًا: «لم نرَ شيئًا بهذا الوضوح والموضوعية من قبل» في إشارة إلى هذه الدراسة.

وقال د. جابر إن «الفريد» في هذا الدراسة ليس فقط العدد الهائل للمبحوثين، وإنما لأن الباحثين لم يعتمدوا على تقييم المبحوثين الذاتي لأنفسهم عن نشاطهم الرياضي: «لم نعتمد على ما يقوله المشاركين لنا عن نشاطهم الرياضي، بل نحن من فحص نشاطهم الرياضي، ووصلنا إلى المقياس الحقيقي لنشاطهم».

الكسل البدني مُقابل التدخين والفشل الكلوي

وشملت الدراسة عددًا كبيرًا من المشاركين وصل تعدادهم إلى 122007 مبحوثين، أُجريت البحوث عليهم في الفترة من يناير (كانون الثاني) 1991، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2014، خضعوا خلالها إلى اختبارات الجري لقياس نبضات القلب والضغط عند الحركة، وبعد ذلك ربط الباحثون بين تلك الاختبارات والوفيات، لبحث العلاقة بين النشاط الحركي، وتدهور الحالة الصحيّة للمشارك؛ مما قد يؤدي لوفاته.

وأفادت الدراسة التي خرجت إلى النور يوم 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بوجود علاقة قويّة بين ممارسة الرياضة والتمارين بمستويات مرتفعة، وبين حياة أطول وأكثر صحية، ودعت المتخصّصين إلى تشجيع المرضى على الحفاظ على نظام رياضي مستمر للياقة البدنية.

وعقد د. جابر عدّة مُقارنات بين النشاط الرياضي، وأمراض أخرى، موضّحًا الفرق بينهما في خطر الوفاة، وقال إن المشاركين الذين حصلوا على نتائج سيّئة في اختبار الجري، لديهم ضِعف خطر الوفاة للمصابين بالفشل الكلوي، وأضاف أنّ الكسل البدني أخطر أكثر من ثلاث أضعاف خطر التدخين.

ولفت د. جابر إلى أن الشخص الكسول لديه خطر أكثر بـ500%، من الأشخاص الأعلى في ممارسة الرياضة، وتصل تلك النسبة إلى 390%، عند مقارنة الأشخاص الذين لا يمارسون الرياضة كثيرًا، بالأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام.

«العلاج» في الرياضة

بدوره يقول الدكتور جوردان ميتزل ، طبيب الطب الرياضي في مستشفى الجراحة الخاصة ومؤلف كتاب «علاج التمرين» إن: «أمراض القلب والسكري، هما أكثر الأمراض ارتفاعًا في الولايات المتحدة. وننفق أكثر من 200 مليار دولار سنويًّا لعلاج هذه الأمراض ومضاعفاتها»، مُقترحًا «تشجيع المجتمع أن يكون نشيطًا ويمارس الرياضة يوميًّا» بدلًا من دفع تلك المبالغ الضخمة.

إذن يظهر من نتائج الدراسة أنّ مُمارسة التمارين الرياضية لم تعُد مجرد نشاط ترفيهي لصحة جيدة فقط، وإنما أيضًا «ضرورة» لأن التكاسل عنها أصبح بمثابة «مرض» خطير على صحة الإنسان يوازي أمراضًا شهيرة ورئيسية مثل ضغط الدم والسكري، أو حتى التدخين الشهير بأضراره على الصحة و«تسبّبه في الوفاة» كما يأتي على غلاف علب السجائر، ولكن لحسن الحظ فالعلاج بسيط؛ يتمثل باختصار في ممارسة الرياضة بأي كمّ وفي أي عمر: «فلا يوجد سقف لممارسة الرياضة، ولا حدٌّ عُمري للاستفادة بدنيًّا منها» بحسب د. جابر.

وتتعدد الفوائد الصحية والنفسية والبدنية التي يُمكن أن يجنيها الإنسان من ممارسة الرياضة، فبجانب الفوائد سالفة الذكر تساعد الرياضة على: الشعور بالسعادة، وتقليص الضغط والتوتر، وزياة التركيز، وتحسين النوم، وتطوير الإبداع، وهي فوائد مُثبتة علميًّا يمكنها تحفيزك لممارسة الرياضة.

أي الشعوب العربية يجب أن تكون أكثر حذرًا من نتائج الدراسة؟

تُنبّهنا نتائج الدراسة إلى خطورة الكسل وعدم ممارسة الرياضة، وربما تدفعنا تلك المخاطر إلى زيادة نشاطنا البدني، ولكن هناك شعوب عربية عليها أن تكون أكثر حذرًا، لأنهم ببساطة يُعانون من الكسل لدرجة وجودهم ضمن أكسل شعوب العالم!

إذ كشفت دراسة أجراها باحثون في منظمة الصحة العالمية، حول معدل النشاط البدني عالميًّا، بروزًا عربيًّا في الشعوب الأكثر كسلًا عالميًّا، بوجود ثلاثة شعوب عربية بين أكثر 10 شعوب كسلًا في العالم، وأربعة من بين أكثر 20 شعبًا كسلًا في العالم، من بينها الكويت التي حلّت في المركز الأول عالميًّا.

وبحثت الدراسة في قصور النشاط البدني في الفترة من عام 2001 وحتى 2016، بالنظر إلى بيانات شخصية عن النشاط البدني جاءت من 358 استطلاعًا، شارك فيه 1.9 مليون شخص بالغ (من 18 سنة فأكثر) عبر 168 دولة حول العالم، وكشفت الدراسة، التي أشرف عليها موقع «ذا لانسيت»، أن أكثر من رُبع سكان العالم، بتعداد نحو 1.4 مليار نسمة لا يمارسون تمارين رياضية بشكل كافٍ؛ إذ بلغت النسبة الإجمالية للشعوب التي شملتها الدراسة، والتي لا تمارس النشاط البدني بشكل كافٍ نسبة 27.5%، وكانت النساء (بنسبة 31.7%) أكثر كسلًا من الرجال الذين بلغت نسبة الكسل فيهم 23.4%.

المعيار الأساسي الذي اعتمدت عليه الدراسة لقياس الكسل والقصور في النشاط، هو عدم ممارسة التمارين والأنشطة البدنية الاعتيادية بحد أدنى يبلغ 150 دقيقة أسبوعيًّا، وتتضمن الأنشطة الاعتيادية تلك الأنشطة البدنية التي يجريها الفرد مثلًا في المنزل والعمل ووسائل المواصلات ووقت الفراغ، وتحسب الدراسة نسبة انتشار من لا يبذلون الجهد الكافي من الأنشطة البدنية أسبوعيًّا، وكلما زادت النسبة، دّل ذلك على ازدياد الكسل في شعوب الدول محل الدراسة، والعكس بالعكس.

وتصدرّت الكويت الترتيب بنسبة كسل بلغت 67%، وجاءت السعودية ثالثًا، بنسبة كسل بلغت 53%، بفارق طفيف عن العراق التي حلّت رابعًا بنسبة كسل بلغت 52%، وحلّت دولة الإمارات في المركز العشرين عالميًّا، بنسبة كسل بلغت 41.4%، بفارق طفيف عن موريتانيا التي بلغت نسبة الكسل فيها 41.3%، وفي المقابل، كانت الأردن من أقل شعوب العالم كسلًا، ببلوغ نسبة الكسل فيها 11.9%.

المصدر