قد نعاني الكثير من المشاكل بما فيها السياسية، الاجتماعية والاقتصادية، ولكن أخطر مشكلة تواجهنا وقد نجهلها أو ربما نتجاهلها لأننا لم ندرك بعد مدى خطورتها هي غياب التربية التي تشكل عماد المجتمع وتساهم في تقدمه وتطوره والحفاظ على دعائمه للبقاء والاستمرار، فتكوين شخصية الفرد بطريقة سليمة سيجعل منه عنصرا فعالا للإسهام في البناء، وعليه نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخلق هو الدين وحث على التحلي بالأخلاق الفاضلة وأعطى تعليمات واضحة وبسطها لإتباعها لأن مهمته كما قال عليه السلام : إنما بُعثت معلماً، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق.

ولكن للأسف حيثما تذهب ستجد مظاهر التربية غائبة، فبدءا بوزارة التربية والتعليم والتي مهمتها الأولى الوقوف على تربية الأجيال ووضع استراتيحية معينة بتخصيص ميزانيات وإطارات إلا أن النتيجة مخيبة لأن الناشئة اليوم والتربية كالخطين المتوازيان لا يلتقيان ولا يتقاطعان، وبجولة بسيطة على مدارس مختلف الأطوار ستشهد العجب، عنف لا حدود له، كلمات نابية وسلوكيات مشينة، انعدام الاحترام وغياب الفهم.
أما المصالح الإدارية فهي تشهد يوميا مشادات كلامية تصل حد الاشتباكات، حالها حال القطاع الصحي والذي تخلى عن كل أخلاقياته وتحول إلى متاجرة بالأرواح، صارت التجارة غش وتدليس والفيديو المسرب عن تغيير ملصقات مواد غذائية منتهية الصلاحية بالسمار يؤكد الاستهانة بحياة الناس مع تراجع القيم وغياب الرقابة فلا خوف من الله ولا تخوف من السجن.
حتى مجال الفتوى غدا مسرحا لعرائس القراقوز التي تحركها أيادي المصلحة الخاصة وتخيط الثوب حسب المقاس المطلوب، كما زاد الطلب على كل ما هو رخيص ليصل إلى الزوايا التي كرمت اللصوص والمفسدين لتطالب من جديد بتكريم حامل لواء المجون، فيا لضلال القبوريين وفساد أخلاقهم ولم نسمع بهم يكرمون المبدعين حقا الساعين لبناء الوطن لا هدم قيمه.

وهناك الصحافة المأجورة التي جعلت من أعراض الناس والتهجم والقذف وحتى السخرية شعارا لها، وقناة النهار مثال حي عن شيطنة كل ما هو مخالف للنظام ولو كان المعارض صالحا ووطنيا فهي تخونه وتجعل من حياته لعبة الأخطاء السبعون لا السبعة، لتساندها مواقع التواصل الاجتماعي التي رغم انتشار الوعي بها إلا أنها باتت قواميسا للانحطاط والكلمات البذيئة .

وا أسفاه على التربية الغائبة عن البيوت، المفقودة من الشوارع، الضائعة في أروقة المحاكم، المعدومة في السجون، المجهولة في المدارس والجامعات، المريضة في المستشفيات، الميتة في المجالس الشعبية والولائية والبرلمان، هذه التربية صار الجميع يعاديها فنسوا أنها من صميم عقيدتنا فهلا يتم تداركها قبل أن تغترب للأبد لأنها ملت من الادعاءات وسئمت من التضليل وهي تحاول إفهامنا أنها ليست التأنق وارتداء ملابس فاخرة وتصفيف الشعر بتسريحات عصرية أو حتى اكتساب الشهادات ورؤوس الأموال الكثيرة.

إن استثمار التربية هو أهم استثمار علينا الإعداد له لأن ذلك سيضمن حقوق الفرد وغيره كما يؤهله للعمل والتعامل في ظل عدالة اجتماعية وتماسك ووحدة، مشاركة واحترام، فالتربية السليمة تحقق التوازن الديني والدنيوي للمجتمع كلل، تصفي القلوب وتطهر الألسن وتعلمنا الترفع عن الصغائر بجد وجدية، فما أحوجنا إلى التربية.